يا شعب الكويت… أموالكم “عين عذاري تسقي البعيد وتترك القريب عطشان”

0 276

أحمد الجارالله

من المتوقع أن يعقد مجلس الأمة اليوم جلسة لإطلاق سراح “منحة المتقاعدين”، التي تحوَّلت ورقة ابتزاز بين الحكومة الساعي رئيسُها إلى فرض أمر واقع تعويمه بعد “كتاب عدم التعاون” واستقالته المُعلَّقة، وبين النواب الذين يسعون إلى حصد أكبر عدد من نقاط القوة لضمان تعويم أنفسهم في حال حصلت انتخابات مبكرة.
وبين الطَّرفين، تحوَّل المتقاعدون رهينة بين المُتصارعين؛ لمعرفة من يقبض فدية مُقايضة منحتهم بمصالحه، فيما ذهب المال العام فرق سعر لقاء هذا الصراع الذي جعلهم رهينة من رهائن سياسية كثيرة، تختطف الحكومة المُستقيلة بعضها، والنواب بعضها الآخر، فيما الكويت تحترق أكثر في نار التراجع والجمود السياسي والاقتصادي والمعيشي.
الفدية المُنتظر أن تُدفع غداً هي 500 مليون دينار سنوياً تذهب إلى “التأمينات الاجتماعية”، عينية أو مالية، لسد العجز الاكتواري، الذي طالما لوَّحت به المؤسسة، ومن خلفها الحكومات المُتعاقبة، فيما منذ ثلاثة أعوام يحبس مجلس الأمة قانون الدَّيْن العام الذي تتمسَّك به الحكومة التي عطَّلت كلَّ شيء في البلاد لإقراره، وهو ما أدى إلى جمود اقتصادي لم يسبق للكويت أن مرَّت به.
وفيما يزداد البكاء الحكومي على عدم وجود سيولة لتغطية النفقات، ومنها منحة المتقاعدين، تستمرُّ القروض والهبات والمنح الكويتية تتوزع على العالم أجمع، ووفقاً للإحصاءات الرسمية المُعلنة من الصندوق الكويتي للتنمية، هناك 107 دول تستفيد من 6.870 مليار دينار حالياً بإجمالي قروض بلغ عددها 1015 قرضاً، بعضها ودائع في بنوك عدد من الدول، وأخرى مشاريع إنمائية قيد التنفيذ، وثالثة مساعدات فنية، ولا ندري ما هي المساعدة الفنية التي تقدمها الكويت لدول أكثر تقدماً منها في مجال الإدارة، خصوصاً المالية منها، اللهم إلا إذا كانت المساعدة في تعليم الفساد بتلك الدول بعدما أزكمت روائحُهُ النتنة عندنا أنوف العالم أجمع؟!
في المقابل الكويت التي دفعت كلَّ هذا المبلغ يكون من المُستغرب إعلان رئيس مجلس وزرائها الشيخ صباح الخالد، قبل نحو ثلاثة أشهر، “السماح للمحافظات بقبول الهبات والتبرعات النقدية والعينية المقدمة من الأفراد والجهات الحكومية وغير الحكومية الكويتية، أو التابعة لدول شقيقة، أو صديقة؛ بهدف إقامة، أو تطوير المشروعات، أو تحسين الخدمات في نطاق المحافظة”.
رئيس مجلس الوزراء يطبق بذلك المثل الخليجي “عين عذاري تسقي البعيد وتترك القريب”، إذ بدلاً من قبول الهبات والمنح الخارجية، لماذا لا تنفق الحكومة ومؤسساتها التنموية جزءاً من أموالها على المشاريع الداخلية، وبدلاً من الودائع المليارية والهبات الحكومية -غير ما يدفعه الصندوق- لبعض الدول، ومنها 700 مليون دولار ذهبت إلى الفلسطينيين الذين يشتموننا ليلاً ونهاراً، أو تخصيص أربعة ملايين دولار لتحسين زراعة وإنتاج النخل في العراق، بينما نخلنا يموت واقفاً، لماذا لا تتحول تلك الأموال إلى الداخل؟!
من الغرائب، مثلاً، أن تقدم الكويت ستة ملايين دينار لتوسعة “طريق رتل للرعي” في غامبيا، فيما طرقها تحتاج إلى تعبيد بسبب الحفر وسوء السفلتة، وفي وقت تفتقر فيه البلاد إلى مدينة ترفيهية، وهي أبسط أنواع الخدمات الترفيهية للمواطنين وغياب أي نوع من المدن الذكية في البلاد، أعلنت الحكومة منح قروض وهبات بلغت نحو 750 مليون دولار أميركي لباكستان لبناء مدن ذكية وبنوك ومصنع للهيدروجين!
لذا، ألا تستحق الكويت أن يكون لها حصة للتنمية الداخلية من بين 1103 مشاريع خارجية، أو يخصص من بين 204 قروض، قرضٌ واحدٌ لتحسين أوضاع المتقاعدين والخدمات، أو اقتطاع جزء منها لإنقاذ المُتعسرين من القروض الذين بلغ عددهم نحو 80 ألف مواطن صدرت عليهم أحكام ضبط وإحضار ومنع سفر؟ ألا يُمكن اعتبار هؤلاء من الدول المحظية بالمنح التي بلغت 17 منحة خارجية، لترفع عنهم الحكومة المُعاناة؟
حين تكون هناك حكومة فاقدة القدرة على القرار، وحساباتها تختلف عن حسابات الشعب ستكون الكويت على هذه الصورة الكئيبة من تخلف الخدمات والبنية التحتية، وستسود فيها الصراعات؛ لأنَّ كلَّ واحد يسعى إلى أن يشد الغطاء نحو مصالحه الشخصية، ولا يعنيه إذا تمزق غطاء الوطن.
ينطبق على حكومتنا المثل الشعبي: “قال: عندك تاكل؟ قال: لا، قال: عندك تغرم؟ قال: إي”، فنحن نعاني من عجز مُعلن وفقاً لما تقوله الحكومة التي في الوقت نفسه تتحدث عن فائض في الدخل النفطي متوقع أن يصل إلى نحو 7.5 مليار دينار، وتُقبض يدها عن الداخل فيما تسخو على الخارج، وكأنها تقول للكويتيين: “موتوا بغيظكم”.

You might also like