يا شعب الكويت… ماذا بعد؟

0 197

أحمد الجارالله

واضحاً وحاسماً إلى جهة الخيارات الواجب على الجميع أن يسعى إلى تحقيقها، هكذا جاء الخطاب الأميري التاريخي، حدّد المسؤوليات، ومكامن التقصير والتقاعس، وترك للشعب حرية اختيار ممثليه، لكنه أيضا أوجد سقفاً لا يمكن لأحد اختراقه، لذا فإن المطلوب اليوم من الشعب، وكذلك من يرون أنفسهم أهلاً لتمثيله في مجلس الأمة المقبل، والحكومة العتيدة التي ستنشأ من نتائج الانتخابات، أن يبدأوا ورشة عمل تشريعية وتنفيذية، فورالشروع بعملهم، تستعيد الكويت من نفق التخلف والانغلاق الذي أُدخلت به خلال المرحلة الماضية.
وليسأل هؤلاء أنفسهم: أي دولة هذه التي نعيش فيها، وأي مستقبل ينتظرنا إذا كنا نمعن في تخلفنا، والسير إلى الوراء موهمين أنفسنا أن ذلك هو الطريق الصحيح إلى المستقبل والتطور والمزيد من الانفتاح والتقدم؟
نخطئ، بل نرتكب خطيئة، إذا راهنّا على أن الوضع الذي تعيشه الكويت منذ نحو ثلاثة عقود يمنحها القوة في مواجهة متغيرات العصر، فما نحن فيه ليس أكثر من دوران في حلقة مفرغة، يستنفد قوتنا، ويزيد من ضعفنا، ولذلك لا مخرج لنا إلا بمواكبة ما يجري في العالم، وألا نلتفت إلى صراخ من كان السبب في أزمتنا، أولئك الذين يخضعوننا بقوة الترهيب تارة، وتعطيل المؤسسات تارة أخرى في سبيل تحقيق أهدافهم التي هي في النهاية سعي إلى الإمساك بمفاصل الدولة، ونقل الخراب إلينا، كما حدث في عدد من الدول العربية.
في هذا الشأن، استقبل الكويتيون تعهد القيادة السياسية في الخطاب الأميري بعدم التدخل في الانتخابات أو باختيار مكتب المجلس ورئاسته، بكثير من الارتياح، لأنها إشارة واضحة إلى السلطة ألا تعيد إنتاج تحالفاتها علناً أو من خلف الكواليس، مع التيارات المتأسلمة التي أغلقت البلاد بـ”الضبة والمفتاح” ومنعت الفرح، ورمت قائمة ممنوعاتها التي فرضتها على الدولة آلاف الشباب الكويتي في براثن المخدرات والجرائم والتطرف، كما أنها سوغت الفساد أيضا تحت شعارات حق يُراد بها باطل.
كل ما نعيشه، وخصوصا في السنوات الأخيرة، هو سعي ممنهج إلى تقويض الدولة، كان يقابله صمت مطبق من السلطة التنفيذية التي تركت حبل الأزمة على غارب اللامبالاة، ولهذا فهي لم تقدم على تعديل القوانين المجحفة التي أضعفت الكويت وأغلقتها، ولا عملت على حل المشكلات، بل على العكس، ساعدت على اتساع رقعة الفساد، وصار كل شيء بثمن، وفي أحيان كثيرة تكون الأثمان أكبر من طاقة الكويتيين، لكن طالما “المال مال عمك لا يهمك”، لذا فإن الإنفاق يكون من المال الحي للأجيال.
كيف لسلطة تزعم أنها مع الديمقراطية وتتمسك بها، تقبل على نفسها أن يتجسس الناس على بعضهم بعضاً، كما هي الحال مع إعلان وزارة الداخلية أن أي حارس عمارة لا يبلغ عما يجري في عمارته سيعاقب ويبعد من البلاد، فهل دخلت الكويت عصر الدولة البوليسية، أم أن الأجهزة المعنية عاجزة إلى هذا الحد عن مكافحة الجريمة، فعملت على جعل الناس جواسيس على بعضهم بعضا؟، هنا نسأل: أي مستثمر هذا الذي سيأتي بماله لاستثماره في البلاد، وهو يدرك مسبقاً أنه سيعيش في دائرة مغلقة؟!
ألا يراجع المسؤولون الإحصاءات عن عدد المستثمرين الكويتيين الذي هجروا البلاد، ألم يعلموا أن الكويت ومنذ العام 2009 تسجل أقل من واحد في المئة من تدفق الاستثمارات الأجنبية، بل توصف، منذ ذاك الوقت، بأنها دولة طاردة للاستثمار؟!
نتيجة لكل هذا، ليست لدينا دورة اقتصادية سليمة، ولا رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه البلاد بعد عشر سنوات، فيما كل ما يسمعه الناس هو شعارات برّاقة المظهر خاوية المضمون، أكان في جعل البلاد مركزا ماليا وتجاريا عالميا، الذي ضاع في خضم الصراعات على قشور المناصب والصلاحيات، والمنافع، ولا تطوير المنطقة الشمالية الاقتصادية والجزر، وجعلها منطقة سياحية وصناعية إقليمية رائدة، بل الأنكى من كل ذلك أن غالبية الكويتيين ما إن تشم رائحة إجازة، ولو ليومين، لازدحم المطار بالمغادرين إلى الخارج، بسبب عدم وجود مرافق ترفيهية يروح فيها الناس عن أنفسهم، وحيث يجدون حريتهم الشخصية المقدسة التي أصبحت في الكويت فعلاً منكراً.
المخجل أن بلد الحريات، ورسالة الانفتاح والثقافة إلى العالم العربي يعيش هذا الواقع التعيس، كأن يصبح المغرد مجرماً لأنه نشر تغريدة يهدف منها إلى الإضاءة على مكامن الخلل، فيحكم عليه بالسجن، ولقد وصل بعضها إلى 60 و70 سنة.
لقد آن الأوان كي يدرك الجميع أن مقولة “هذا بلدهم كيفهم” سبب دمار الدول، لذا اتقوا الله في الكويت وشعبها التواق إلى الحرية والتقدم وصناعة المعجزات، وافتحوا أبواب البلاد أمام العالم، وادخلوا العصر كي لا يخرجنا التمسك بالتخلف من المستقبل، وهذا لا شك يكون بحسن اختيار ممثلي الشعب، وكذلك الوزراء ورئيسهم حتى لا نبقى ندور في حلقة الفراغ المدمر.

You might also like