يا قادة البلاد… هل قرأتم قصة سوزوكي مع التعليم في اليابان؟

0 230

أحمد الجارالله

يتساءل العرب عن سبب تخلفهم، ولماذا تنتج مدارسهم وجامعاتهم الأمية، وليس المتعلمين المفكرين المبدعين، فيما لم يسألوا أنفسهم يوماً عن صناعة العقول، وتعليم التفكير، فهم، وإن كانوا أمة اقرأ إلا أنهم على عكس ذلك، ولم يعيروا ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي- في أوائل القرن الماضي عن المعلم- الاهتمام الكافي، بل ما يزيد على 99 في المئة من القادة والزعماء والمسؤولين، حتى وزراء التربية والتعليم لم يقرأوا قصيدة الرجل.
حضرتني هذه الأفكار حين قرأت طرفة عن تلميذ ياباني التحق حديثاً بمدرسة أميركية، وهي تحمل دلالات كبيرة عن أهمية صناعة العقل التي نفتقدها في عالمنا العربي، الذي احتل التعليم فيه أدنى سلم المراتب عالمياً، وترك المعلم يعاني من وضع أسوأ بكثير حتى من بعض العمال غير المهرة.
القصة أو الطرفة تتحدث عن أنه في أول يوم دراسة بمدرسة أميركية انضم إليها طالب جديد اسمه سوزوكي، وهو ابن رجل أعمال ياباني، في بداية الحصة الدراسية تقول المدرسة: دعونا نبدأ اليوم بمراجعة شيء من التاريخ الأميركي، وتسأل من قال: أعطني الحرية أو أعطني الموت؟ وتطلعت في وجوه الطلاب الذين أطبق عليهم الصمت، فيما سوزوكي رفع يده وقال: باتريك هنري 1775.
قالت المعلمة: عظيم! ومن قال: حكومة الشعب بالشعب وللشعب لن تنتهي في هذه الأرض؟ مرة أخرى لم يكن هناك استجابة سوى من سوزوكي الذي قال: إبراهام لنكولن 1863.
حينها وبخت المعلمة بقية طلاب الفصل وقالت: عليكم أن تخجلوا من أنفسكم، فسوزوكي وهو جديد في هذه البلاد يعرف عن تاريخها أكثر منكم، حينها سمعت شخصاً يهمس: “اللعنة على اليابانيين” فصاحت بحزم: “من قال هذا”؟
فرفع سوزوكي يده وقال: “لي ايوكوكا 1982”.
وهنا قال طالب يجلس في الخلف: “سوف أتقيأ”، فغضبت المدرسة وهتفت: “حسنا! من قال هذا”؟
أجاب سوزوكي: “جورج بوش لرئيس الوزراء الياباني 1991”.
فازداد هياج الطلاب وأصابتهم هيستريا فقال أحدهم: “أيها القذر الحقير إذا قلت أي شيء آخر فسوف أقتلك”.
فصرخ سوزوكي بأعلى صوت: “غاري كوندت مخاطباً شاندرا ليفي 2001″، فأغمي على المعلمة.
وفي حين كان الطلاب يتجمعون حولها قال أحدهم: “أوه ياللجحيم، إننا في ورطة”!
فقال سوزكي: “بول برايمير الحاكم الأميركي العسكري للعراق 2004”.
سوزوكي هذا نتيجة طبيعية لدولة تعتبر التعليم من أرقى المهن، وفيها يجل ويحترم شعبها المعلم الذي يتقاضى واحداً من أعلى الرواتب في العالم، ولديه كل الحوافز التي تشجعه على الإخلاص في عمله، ولهذا احتلت اليابان تاريخياً واحدة من أعلى المراتب في الدخل السنوي للمدرس، الذي يتقاضى ما يزيد على 75 ألف دولار سنوياً، إضافة الى التبجيل الكبير له في المجتمع.
في اليابان ولوكسمبورغ وسويسرا وهولندا وألمانيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية والنمسا وكندا وإيرلندا، يعتبر المعلم أهم موظف في الدولة، وهو يتقدم على الوزراء ووكلاء الوزارة والمسؤولين الأمنيين، وبقية الموظفين، لأنه من يصنع الأجيال، ويعلمهم احترام القانون وعدم مخالفته تحت أي ظرف.
في المقابل يبقى المعلم في العالم العربي، ووفقا لإحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في أدنى السلم، بل يعتبر المدرس في جمهورية التشيك حيث سجل أدنى مرتب له في الدول الأوروبية، أفضل من المدرس العربي بعشرات المرات.
الكويت ليست بعيدة عن هذا التصنيف السيئ، اذ يعتبر المدرس فيها أقرب إلى “الطرار” ليس لأن راتبه لا يكفيه فقط، بل، أيضاً لأن “الواسطة” وتدخلات أولياء الأمور في عمله تكاد تجعله أسير لقمة عيشه، لذا يضطر إلى إعطاء دروس خصوصية، ولأن هذه أصبحت مهنة موازية لعمله الأساسي، فهو لم يعد يعير اهتماماً للتعليم في الفصل بسبب الإرهاق الذي يعانيه بدنياً ونفسياً من الدروس الخصوصية.
الهدف من التعليم هو التربية على التفكير والإبداع والمعرفة، وليس مجرد القراءة والكتابة، والأهم من ذلك هو أن تخرج متعلمين قادرين على المبادرة والابتكار، إلا أن هذا ليس موجوداً في الكويت والعالم العربي، بل يكاد يصبح صانع العقول أقرب إلى “الفراش”، ولهذا حين يتعلم المدرس على الفساد فلا شك أنه سيخرج فاسدين، وسيصبح المجتمع فاسداً، بل السطو على المال العام، و”الواسطة”، وحتى الانتخابات النيابية، واختيار الوزراء والمسؤولين التنفيذيين في كل الدولة ستعمل وفق آلية الفساد التي تعلمها الطلاب من مدرسيهم، ما يسهل لهم ارتكاب الجرائم لأنهم وجدوا من يحميهم بالواسطة والعزوة القبلية والعائلية والطائفية، وسيضيع العدل.
في نهاية الحرب العالمية الثانية، قدم أحد الوزراء تقريراً عن الفساد في مؤسسات الدولة البريطانية إلى رئيس الوزراء حينها ونستون تشرشل، الذي توجه فوراً بالسؤال الى وزير العدل: “ماذا عن القضاء”؟ وحين كانت الإجابة: “إنه لم يتلوث بالفساد”، قال: “البلاد بخير ونستطيع ان نبدأ الإعمار”، ففي خضم الحرب كانت المدارس تعمل، ولم تتأثر إلا المناطق التي كانت تقصف، وكانت بريطانيا تولي مدرسيها يومها أكبر اهتمام، لذا أعفتهم من التجنيد الإجباري، ومنحتهم أهم الامتيازات حينها، لذا في هذه الدول إذا رددت قصيدة أحمد شوقي:
” قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا”
يكون ذلك في موضعه الصحيح، أما في العالم العربي عموماً، والكويت خصوصا، لابد من إعادة النظر في التعليم من أساسه، إذا كان هناك من يريد لهذه الدول، ولبلادنا، أن تخرج من عتمة تخلفها، ويكون لها موقعها بين الأمم، وإلا فلن ينفع البكاء على الحليب المسكوب أو لعن الظلام، لأن لا فساد يمكن مكافحته، ولا مؤسسات ستعمل وفق القانون، ولا مسؤولين سيسعون إلى بناء وطن، وسيزداد تخلف المجتمع.
يا صاحب السمو أمير البلاد، ويا سمو ولي العهد، ويا رئيس مجلس الوزراء، هل بالإمكان الاهتمام بما جاء في هذه الأسطر، والعمل على إصلاح التعليم الذي منه تبدأ ثورة النهضة والتقدم؟

You might also like