400 عام حرية نسفها “الجرائم الإلكترونية”

0 346

مخطئ من يتصور أن قمع حرية الرأي والتعبير مصدر قوة، ويرتكب جريمة نكراء في حق الوطن من يتوهم للحظة أنه بذلك يستطيع منع الناس من الكلام، بل على كل من يسعى إلى الاستمرار في هذا النهج أن يتذكر أن أساس قيام الكويت هو الشورى بين مكونات المجتمع كافة، ولا ينسى أن الديوانيات كانت مصنع القرار، إذ كان الحاكم يقف على رأي الوجهاء، بل وعامة الناس، ولهذا تطورت وازدهرت البلاد في زمن كان الظلام فيه يعمّ المنطقة العربية.
الكويت منذ وُجدت كانت واحة الهاربين من القمع في الإقليم، بل حتى في الدول البعيدة، ولهذا من المؤسف أن تتحول من صانع حرية إلى دولة بوليسية تعاقب بأشد العقوبات الكلمة، ويُزج أولادها وبناتها في السجون لمجرد 160 حرفاً، بل من المعيب جداً أن تتحول ديمقراطيتها شبه عمياء لا ترى أبعد من أنفها، فتُصدر الأحكام القاسية على مغردين، التي بعضها يصل إلى 80 سنة، وأن يصبح ثمن التغريدة خمس سنوات في السجن، فمن أين أتى هذا القانون الأعمى المسمى “الجرائم الإلكترونية” الذي أُقر في مجلس أمة كان همه الوحيد بسط هيمنته على كل الدولة، وحكومة رأت به حرفاً للإبصار عن رؤية الفساد المستشري في كل مؤسساتها، لينهب الناهبون من المال العام من دون حسيب أو رقيب؟
المتعارف عليه في كل دول العالم أن العفو ركيزة أساسية في إعادة انتظام الصالح العام، وفتح قنوات الحوار، ولهذا استبشر الكويتيون خيراً بصدور العفو العام قبل أشهر، لكن حين اطلعوا على تفاصيله تحولت فرحتهم غصة، لأنه فُصِّل على مقاس أشخاص محددين، وأسقط منه ما يزيد على 600 مغرد ومغردة، بعضهم يقبع في السجون لسنوات طويلة، والآخر هارب إلى الخارج، حيث تحول صوتاً معارضاً للدولة رغماً عنه وليس بإرادته.
في هذا الشأن، من المهم جداً التأكيد على أن صيغة العفو التي أُقرت ساوت بين من رفع السلاح على الدولة، ومَن أشهر الكلمة، وكأن الهدف تشويه صورة الجميع، فيما استبعد منه كل مغرد أضاء على خلل في الممارسة الإدارية والسلطة التنفيذية، أو كشف سوء ممارسة نيابية.
هذا الأمر لم يسبق أن شهدته الكويت طوال أربعمئة عام من وجودها، وهو ما يعني تحولاً جذرياً لا بد من الوقوف عنده مطولاً، والبحث في أسبابه التي هي، كما أسلفنا، لعبة مصالح متبادلة بين مجلس الأمة والحكومة كانت فيه الدولة العميقة صاحبة اليد الطولى، كي تحمي رموزها أولاً وتقمع كل صوت حر ثانياً.
اليوم ثمة فرصة تاريخية وهي هذا الارتياح الكبير الذي سجل بعد الخطاب الأميري الأخير، ولاستكمال هذه الارتياح لا بد من العفو عن المغردين وإزالة وصمة العار التي تسبّب بها قانون الجرائم الإلكترونية المخالف للدستور أولاً وأخيراً، وكذلك للتقاليد والأعراف التي قامت عليها الكويت، فهل تكون هناك مبادرة تزيح الغمة عن هؤلاء وتبعث الفرح في نفوس أهليهم؟

أحمد الجارالله

You might also like