استجواب العلي… سقطت الأقنعة

0 240

أحمد الجارالله

كلُّ شيء بات واضحاً، وفضحت الانتهازية، التي قام عليها استجواب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، الشيخ حمد جابر العلي، نفسها، فالقضية ليست مسألة الدفاع عن المرأة وحمايتها، ولا كشف الفساد في صفقة الـ”يوروفايتر”، فملف هذه القضية في عهدة القضاء منذ زمن، وهناك من أقيل أو سجن، ومن يخضع للمحاكمة أيضاً، إنما الهدف من الاستجواب هو باختصار عدم خضوع الوزير للنواب في تمرير مصالحهم الشخصية.
ما يجري هو أبلغ إساءة للديمقراطية، وتلك الشخصانية التي يُمارس فيها النواب دورهم كمُمثلين للشعب في السلطة التشريعية، إذ بدلاً من السهر على مصالح من ائتمنهم عبثوا بالأمانة، وحوَّلوا قاعة عبدالله السالم ساحة حرب مدفوعة بمأرب خاصة، لذا اختاروا هذا الوزير بالذات الذي يُشرف على وزارة كانت سابقاً أشبه بكنز انتخابي يغرف من تعييناته النواب ما يشاؤون لرفع أرصدتهم الشعبوية، فيما الوزارة اليوم قلعة حصينة بمواجهة الواسطة التي أفسدت كلَّ شيء في البلاد.
لا شكَّ سنظلُّ نُعاني من هذه المطحنة طالما بقي النائب يستغل الأدوات الدستورية بطريقة سيئة؛ لأنه يتصوَّر نفسه في ذلك الحاكم بأمره، يستطيع إقالة وزير، أو إقصاء وكيل، أو إنهاء خدمات مدير ساعة يشاء، من خلال استجواب والتقاء مصالح عشرة من نظرائه لتوقيع كتاب طرح الثقة الذي سرعان ما يتحول “سوق جمعة” ويبدأ عقد الصفقات، فإن سارت الحكومة مع “الربع” في ما يطلبون بَقي الوزير في منصبه، وإلا دُفع إلى الاستقالة أو الإقالة.
في هذه الأجواء لا يمكن حل الأزمات، أو الإصلاح، بل إن أخطر ما تتعرض له الدولة، أي دولة، هو تحويل النواب لمُمارساتهم البرلمانية إلى منازلات شخصية، تأخذهم فيها حمية الفروسية الزائفة، التي سرعان ما تتكشف عن خراب كبير، لذا فإن الحل الوحيد هو حل مجلس الأمة، والسعي إلى سد الثغرات في النص الدستوري، وإعادة تصويب البوصلة، عبر حكومة قوية قادرة على العمل، لا تخضع لأي تهديد إذا كانت على حق، فلقد أثبتت التجربة خلال العامين الماضيين أن عقد الصفقات بين السلطة التنفيذية والنواب خلف الكواليس أضعف البلاد، وشل اقتصادها، وعطل مؤسساتها.
أربع حكومات في غضون 23 شهراً لم تُقدِّم أي شيء للبلاد والعباد لأنها افتقدت، منذ البدء، الرؤية السليمة والبرنامج الواضح، وأهم من كلِّ ذلك قدرتها على المُواجهة، بل هي لم تستطع حماية الوزراء الإصلاحيين، وقد فرطت ببعضهم لأنه أجرى القرعة في اختيار المُرشحين للأكاديمية العسكرية؛ لأنَّ بعض النواب لم يُعجبهم ذلك، فاعترضوا ونالوا ما أرادوا.
اليوم يُحاول هؤلاء استكمال مشروعهم عبر التصويب على الشيخ حمد جابر العلي؛ لأنه أقفل أبواب التمصلح في وجههم، ولأنه أيضاً أمل كثير من الكويتيين لتولي منصب أعلى، لذا إذا لم تكن هناك إرادة واعية تدرك جيداً ما تحتاجه البلاد من عناصر قوة كي تزيل تراكمات المرحلة الماضية، وتحسم الأمر بوقف هذه المهزلة، فلا شك سنبقى نعيش وسط دوامة من المُناكفات التي ستزيد الارتدادات السلبية وإضعاف الدولة.

ahmed@aljarallah.com

You might also like