استكملوا مشاريع جابر الأحمد التنموية واخرجوا من نفق الرعاية من المهد إلى اللحد

0 164

حين نتحدث عن دولة المؤسسات فنحن نعود دائماً إلى تلك المنظومة التي بنيت في أوائل سنوات الاستقلال، ولا تزال هي العمود الفقري للدولة حالياً، رغم كل المشكلات التي تعانيها بفعل الفساد الذي تفشى فيها بغياب الرقابة والحزم، وبعدما أصبح المتنفذون والنواب أصحاب القرار في الإدارة فطوعوها لمصالحهم، وليس لخدمة الوطن والمواطن.
هذه القناعة لم تكن موجودة في ستينات القرن الماضي، حين كانت الديمقراطية طرية العود، ويمكن أن توظف لغير مقاصدها، لكن النخبة التي تواجدت حينها في مفاصل السلطة التنفيذية، لم يكن لديها أي طموحات غير تقدم وتطور البلاد، لذا لم تكن الزيارات إلى الخارج للاستعراض، والبهرجة أو الاستجمام، إنما للاستفادة من تجارب الدول.
على هذه القاعدة كانت زيارة الشيخ جابر الأحمد “رحمه الله” إلى الصين عام 1965، وكان حينها وزيراً للمالية والصناعة في أولى حكومات الاستقلال، ولديه فلسفته المستنيرة القائمة على مبدأ “لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف اصطادها، واهدني صنارة كي أبدأ”.
في تلك الرحلة اطلع على كل ما يمكن أن يخدم البلاد من مؤسسات، رغم التعارض بين نهج الدولة الصينية الشيوعي الاشتراكي ونظيرتها الكويتية البراغماتية، فأخذ منها فكرة الجمعيات التعاونية، التي يكون فيها المستهلك مالكاً، كما عمل على تنشيط القطاع الخاص عبر تحفيزه من خلال مشاركته في المشاريع، فأسس شركات صناعية إنتاجية وجعلها مساهمة، تدفع الدولة جزءاً من أسهمها وتتيح للمواطنين استملاك الباقي، كما أطلق صندوق التنمية.
هذه الخطوة أدت إلى تأسيس شركة الصناعات الوطنية وغيرها الكثير التي أصبحت عماد الاقتصاد الوطني، كما أنه بعد توليه رئاسة مجلس الوزراء، وضع قانون المهنة المصرفية والبنك المركزي الذي أفسح في المجال للبنوك أن تتحول قوة استثمارية كبيرة ومساهمة، وبدأت هذه المنظومة القانونية والمؤسساتية تؤتي ثمارها سريعاً، من خلال التزاوج بين الدولة والقطاع الخاص وهو ما حول الكويت مقصداً استثمارياً في المنطقة، آنذاك.
لم يكن هدف الدولة حينها، كما هو سائد اليوم،أن يعمل الجميع أُجرَاء لديها، بل وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولم يرضَ أحد أن تتحول المؤسسات الرسمية مصدراً من مصادر التنفيع الانتخابي، بمعنى ألا تزدحم أروقة الوزارات والمؤسسات بالموظفين الذين يتحولون بطالة مقنعة بسبب التوسع بالتوظيف غير المدروس، ولا العمل بالقاعدة الشيوعية”اعمل قدر طاقتك وخذ قدر حاجتك”، وهو للأسف ما أصبحت عليه الكويت اليوم بعدما سادت الشعبوية والتوسع بالرشوة الانتخابية.
وهنا لابد أن نشير،على سبيل المثال، إلى أن نهوض الصين واليابان والولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج وسويسرا لم يكن بسبب التكدس الوظيفي في المؤسسات الرسمية، ولا برعاية الدولة للمواطن من المهد إلى اللحد، كما هو قائم حالياً في الكويت، التي مع كل أزمة بسبب تدني أسعار النفط تظهر إلى السطح عيوبها، بل بدفع المواطنين إلى العمل في شتى المجالات، ومن دون الأخذ بسياسة”عيب المواطن يعمل في هذه المهنة أو تلك”.
إضافة إلى ذلك أوكلت تلك الدول معظم الأنشطة فيها إلى القطاع الخاص بدءاً من التعليم مروراً بالصحة وصولاً إلى الكهرباء والماء، وحتى الطرق، فيما الدولة هي المشرف والمنظم، وجابي الضرائب لتحسين الخدمات وفرض الأمن والعدل، ولم تعتمد سياسة الدعم، لا على المواد الغذائية ولا الخدمات، التي وصلت في الكويت إلى دعم الجبنة والمعكرونة، وكأن الكويتيين قُصَّر أو فراخ طيور تطعمهم الدولة.
لا شك أن المخرج من الأزمة الحالية يكون عبر تغيير ذهنية الإدارة، والعودة إلى إشراك القطاع الخاص في كل المجالات والخروج من نفق دولة الرعاية من المهد إلى اللحد الذي كرّس الاتكالية والكسل والفساد.

أحمد الجارالله

You might also like