“التفلة” بوجه قاسم وحكام الغفلة

0 211

أحمد الجارالله

يُروى أنَّ الزعيم العراقيَّ عبد الكريم قاسم، ذهب في زيارة إلى حي الأعظمية ببغداد، فاقترب صبيٌّ من سيارته وسط الناس المُتجمهرة، وبصق باتجاه نافذة السيارة المفتوحة، فوقعت “التفلة” على وجه الرئيس، وهرب، لكن حرس قاسم أمسكوا به، واقتادوه إلى حيث الرئيس، الذي ترجل من سيارته، فرأى طفلاً يرتدي ثوباً مُمزقاً، وحذاءً بلاستيكياً كل فردة بلون، فسأله قاسم: “لماذا بصقت عليّ؟”.
لم يرد الطفل، ثم سأله: “لماذا ملابسك ممزقة وحذاؤك كل فردة شكل؟”. فقال: “أمي جابتهم لي من الزبالة”.
سأله الرئيس: “وين أبوك؟”.
قال: “استشهد لما راح وياك على حرب فلسطين”.
فصرخ قاسم بالصبي: “أريد منك تسع تفلات أخرى على وجهي حتى تصير عشرة لأني أستأهلها”.
رفض الطفل ذلك، فيما أمر قاسم مرافقيه بتسجيل الصبي وأخته فوراً في مدرسة خاصة، على أن يتكفل هو بمصاريفهما، وإيجاد عمل شريف يليق بأمهما، بعد أن أعطاه كلَّ ما في جيبه من بقايا راتبه.
هذه القصة نرويها لإنعاش الذاكرة، ونضعها برسم بعض الحُكّام العرب، الذين يُهملون شعوبهم، وينفصلون عن واقعهم، علَّهم يتعظون، وإذا صودف أن تجوَّل أحدُهم بين الناس، فقد يُرشق بحجر، أو يُبصق عليه مواطن.
في السنوات العشر الماضية، واجهت بعض الدول العربية انتفاضات شعبية، ورغم ذلك لم يقترب أيٌّ من حُكامها من هموم شعبه، بل ربما تكون مقولة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في آخر خطاب له العبارة الأكثر واقعية، حين قال: “الآن فهمتكم”، لكن هذا جاء بعد فوات الأوان، أي بعد 24 عاماً من القمع وإفقار الشعب وزيادة النقمة على الحاكم.
بن علي لم يكن الوحيد الذي فهم متأخراً، فالقذافي كان على المنوال نفسه، وغيرهما قادة تركوا أمر العباد للحاشية، وتفرغوا إما لعقد الصفقات التجارية، والحصول على نسبة من المشاريع الكبرى، وإما تفننوا بنهب البلاد والعباد، فيما تصبح بطانة الحكم كلها من الفاسدين والمفدسين.
هذه الحال لا تجدها في أي دولة غربية؛ لأنَّ القانون لا يُحابي، ولا يُفرِّق بين رئيس وموظف ومواطن، فالكلُّ سواسية كأسنان المشط، حتى في جارتنا التي نعتبرها عدوة، إسرائيل، قبع رئيس الوزراء إيهود أولمرت سنوات في السجن؛ بسبب الرشوة، وحالياً يُحاكم نتانياهو بتهم فساد، وفي فرنسا حكم على الرئيس ساركوزي بالسجن، وكذلك الحال في دول عدة، بينها الولايات المتحدة الاميركية، حيث أقيل الرئيس نيكسون جرّاء فضيحة “ووترغيت” الشهيرة.
في العالم العربي يغرق بعض الحكام بالفساد إلى آذانهم، فلا تمرُّ صفقة إلا ويكون لهم حصة، أو للمحظيين المُقرَّبين منهم، وليس هناك من يجرؤ على مُحاسبتهم، بل يُفرض على الشعب تمجيدهم بوصفهم الأتقياء الأنقياء، ويُمنع على الناس نشر أخبارهم أو حتى الهمس، عن نهبهم للمال للعام، والقمع والظلم.
في عالمنا العربي قوانين تُخرق من كبار المسؤولين والمُتنفذين، والحاكم لا يدري ماذا يجري في دولته؛ لأنه اختار حياة الدعة والرفاهية على حساب المظلومين من شعبه.

You might also like