الجماعة الإسلامية التونسية على طريق حزب بن علي خسارة السيطرة على الدولة قد تجعلها أقلية معارضة في المستقبل

0 370

سياسات تناقض التحالفات ورغبة السيطرة وإنكار الخصوم تُقوِّض شعبيتها

ضعف وهج الغنوشي يضعف الحركة ويدفع إلى مراجعة سياساتها وتحالفاتها

ازدواج الخطاب وعقلية الشعبوية ورغبة السيطرة تفقد الإسلاميين تعاطف التونسيين

رغم مرور نحو خمس سنوات منذ اعلان حزب حركة النهضة التونسية التحول الى حزب سياسي مدني منفتح متخلصاً من المرجعية الإسلامية، ومتبنيا الممارسة السياسية المرتكزة على مبادئ الحداثة والتعددية والديمقراطية، لم تنجح الحركة حتى اليوم في اقناع قواعدها الشعبية أو الشريحة الكبرى من الشعب بهويتها الجديدة، حيث ظلّت الهوية ضبابية ومتقلبة وتعتمد على الخطاب المزدوج والتحالفات المتناقضة.
وتكشف دراسة مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والستراتيجية التي بحثت في تطور أداء الإسلاميين في السياسة بتونس خلال عشر سنوات عقب ما يعرف بـ”ثورة الياسمين” في 2011، عن أن مستقبل الإسلاميين الذي احتكرت جزءا مهما منه “حركة النهضة” بات هشّاً جدا بسبب زيادة ارتباط مصير الحركة بزعامة واحدة يمثلها الغنوشي المتقدم في السن ،والذي أزاح أغلب منافسيه من دائرة اتخاذ قرار مصير تطور الإسلام السياسي، ولذلك يواجه الحزب عواقب أخطاء حزب الرئيس السابق الراحل الباجي القائد السبسي (حزب”نداء تونس”) الذي ربط شرعية وجوده بحياة زعيمه.
خسرت الحركة نسبة مهمة من المتعاطفين معها أو من قواعدها الانتخابية رغم استمرارها الحزب الأكثر تنظيماً ظاهرياً، حيث يضم أكبر عدد من المحافظين أكثرهم من المعتدلين وجزء من الصقور الراديكاليين الذين انضوى بعضهم تحت مظلة حزب اخر وهو “ائتلاف الكرامة” وبعض اخر قرر الانسحاب والمراقبة في الظل، ونسبة أخرى خيرت أن تكون بين الفئة الصامتة المتطلعة لعهد جديد لدور الإسلاميين في السياسة.
ولم ينف رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي رغبته باستمرار جمعه منصبين متناقضين على رئاسة الحركة والبرلمان، وهو ما يعكس رغبة جامحة لمؤيديه في استمرار نفوذ الرجل الذي نجح كسياسي في كسب اعتراف، اقليمي ودولي، وذلك بهدف الاستفادة من رمزيته لاضفاء شرعية تدعم تماسك أعضاء الحزب غير المنسجمين، ودفع رفض بعض القيادات الاسلامية لاحتكار الغنوشي مصير الحركة والاسلام السياسي ككل الى زيادة الانقسام الداخلي، وتؤخر حالة الانقسام والخلاف المرصودة منذ عامين انعقاد المؤتمر الحادي عشر للحركة لانتخاب قيادة جديدة لـ”النهضة” مع رغبة مبطنة لابقاء الغنوشي على رئاسة الحزب مدى الحياة، أمر لم تخف بعض القيادات الإسلامية المنسحبة تذمرها من محدودية الممارسة الديمقراطية داخل الحزب ومصادرة الشيخ (الغنوشي) للاراء المختلفة معه.

ازمة الغنوشي
وقد ساعدت معايير الغنوشي الأخلاقية ومهاراته السياسية وصفاته القيادية في إنقاذ حزبه المنقسم داخليا من الصراع الداخلي موقتا. ومع ذلك، إذا تجاهل الغنوشي بعض الاصوات التي تطالبه بالتنحي عن رئاسة حزب النهضة، فإنه يخاطر بتقسيمها بدافع الخلاف حول مسألة استمرار قيادته، هذه المخاوف التي دفعت بعض قياديي الحركة الى الانسحاب تعكس قراءة موازية لدور الحركة السياسي داخل البرلمان وخارجه، حيث تنعكس محدودية قناعة قياديي الحركة بالممارسة الديمقراطية والتداول على المناصب القيادية داخل الحزب على النظرة العميقة لمحدودية قناعة قيادة الحركة بالمشاركة السياسية والتعددية واختلاف الرأي خلافاً لما تروج له من تقبلها مبدأ الاختلاف، اذ تنتقد من ينكر حجمها السياسي أو ينتقد سياساتها، كما أن ممارستها الداخلية قد تكون أكبر مؤشر على انكار أدبيات الحركة للممارسة الديمقراطية برمتها بقدر اعتقادها بالتضامن المصلحي لتحقيق الأهداف.
وقد تشابهت سياسات النهضة في دعم انتشارها بين قواعدها مع آليات حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” الحزب الحاكم قبل “ثورة الياسمين” باعتماد الحركة السياسات نفسها لتحفيز الولاء للقيادة وانكار مبدأ الاختلاف وان تم تقبله ضمنيا، الا ان ذلك قد يكون للترويج الإعلامي والخارجي فقط.

الخروج غير السهل
في عام 2016، قرر حزب النهضة الإسلامي التخلي عن الوعظ والتركيز على السياسة، مما عجل بأزمة هوية داخله، وواجهت الحركة منذ ذلك الوقت تحديات جديدة، بما في ذلك إعادة التفكير في دور الإسلام، ومعالجة تحييده كمحرك للتغيير الاجتماعي والاقتصادي، وإدارة مؤيديه الأساسيين مع جذب جمهور أوسع من الناخبين. وقد أجبر تحول الحزب إلى السياسة على إعادة التفكير في إطاره الأيديولوجي وإعادة بناء شرعيته على أساس حجج غير دينية.
ولا يبدو أن تحول فكرة تأسيس الحركة الإسلامية من الإسلام السياسي الى الديمقراطية المسلمة، كما روج لها الغنوشي في الصحافة العالمية، تتطور بشكل يريده الإسلاميون أنفسهم في ظل زيادة المعارضة لتوسع دورهم ونفوذهم في دوائر صنع القرار، ولعل حصيلة مساهمتهم المحدودة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية يتخذها خصومهم مبررا لتقويض شرعيتهم الشعبية في المناسبات الانتخابية المقبلة.
ورغم اعلانها عن مدنية الحركة السياسية والتخلي عن حكر الشعار الإسلامي المرتبط بفكرة تأسيسها، الا أن هذه الـ”بروباغندا” التي سوقتها، داخليا وخارجيا، لا تتجاوز الترويج الإعلامي للاستهلاك السياسي، اذ تستمر خطاباتها وقياداتها، بما في ذلك الغنوشي نفسه، معتمدة أساسا فكرة الدفاع عن الإسلام والعادات والتقاليد والبروز كتيار محافظ يتولى مهمة تعزيز قيم الاسلامية في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث تلجأ للتأثير في قواعدها الشعبية من خلال تحفيز عاطفتها تجاه الإسلام وتصوير الحركة كمدافع اول عن هوية تونس الإسلامية تجاه هيمنة العلمانية والليبرالية.
هذا ما اتضح جليا في الحملة الانتخابية البرلمانية والرئاسية الماضية التي شارك فيه الإسلاميون، فضلا عن المسيرة الخطابية في شهر مارس الماضي التي نظمتها الحركة خارقة القيود الصحية في ظل ذروة تفشي الوباء وذلك عبر دعوة للتعبئة الشعبية في الشوارع في حركة استنفار للدفاع عن شعبية وشرعية رئيس الحركة وأيضا من أجل ترسيخ هوية الحركة الإسلامية لدى قواعدها حيث أثبتت الشعارات المرفوعة هيمنة الخطاب الديني والأيديولوجي الموجه للقواعد الانتخابية والمتعاطفين مع التيار الإسلامي المحافظ.

التناقض بين الخطابات
التناقض المرصود بين خطابات الإسلاميين الى الرأي العام، المحلي والدولي، التي تظهرهم ديمقراطيين وحداثيين تارة وتارة أخرى محافظين وملتزمين في خطابات موجهة لقواعدهم الشعبية، وبخاصة من ذوي المستويات التعليمية المتوسطة، والتي تعتمد على اثارة العاطفة والدمغجة، هذا التناقض يظهر تذبذبا في مسار مصداقية الحركة وقدرتها التنظيمية خصوصا بالنظر الى زيادة انقسامات داخلية في الحزب.

تراجع القواعد الشعبية
وقد تراجعت القاعدة الشعبية لحركة “النهضة” خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، في ظل خلاف محتدم على زعامة الإسلاميين وتغليب الخطاب البراغماتي والوسطي على خطاب أسلمة السياسة.
لكن سياسة الدعاية والتسويق والتعبئة الشعبية لا تزال تعتمد خطاب الدفاع عن القيم عن الاسلامية لدغدغة مشاعر أكثر نسبة ممكنة من القواعد الشعبية في تناقض مع تحولها الجديد المزعوم للتخلي عن فكرة الوعظ وحماية الدين، فجزء كبير من خزانها الانتخابي مرتبط بالحركة كقلعة حامية للدين والقيم من دون استيعاب السواد الأعظم من مناصري الحركة للتحول في فكرة وأهداف الحزب.
هذا الخطاب قد يضيع وهج فكرة تأييد الحركة كمدافعة عن الإسلام، وبذلك يستمر التناقض بين خطابات الإسلاميين ليمتد عدم التوافق بين القيادات والمنظرين، اذ يستمر بعضهم في تأييد الغنوشي كرمز للإسلام الحداثي المدني، لكن مع توافق هش قد يكون مرتبطا بحياة الرجل، حيث لم تحسم خلافته بعد لقيادة الإسلاميين والحركة في المستقبل رغم الدعاية التي يمارسها الإسلاميون المقربون منه بإظهار ديمقراطية الحركة وبوجود أعضاء كثر لخلافة “الشيخ الزعيم الملهم”.
لكن تبقى كاريزما الزعامة ما تنقص خلفاء الغنوشي مستقبلاً، وقد حرص نفسه على ايجاد هذا الفراغ في زعامة “النهضة” والإسلاميين من اجل بقائه منفردا كزعيم موحد وملهم، وأيضا كرجل دولة توافقي، الا ان شعبية الرجل في تراجع رغم الحرص على تعزيزها من خلال دوره في البرلمان او من خلال ممارسة صلاحيات الديبلوماسية البرلمانية بدعوى التدخل لتعزيز العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة بهدف دعم جهود الحكومة التنموية، وهو ما يؤشر لوجود تضارب مصالح حيث يعمل الغنوشي من خلال صلاحياته البرلمانية على تعزيز تماسك الحرة وقوتها في الشارع أو في السياسة المحلية والإقليمية.

محدودية القناعة بالديمقراطية
تشكو الحركة من محدودية الممارسة الديمقراطية داخل نظامها الداخلي، وبخاصة الانتخابي، وهو ما عكس محدودية تطور القناعة بأدبيات العمل السياسي الديمقراطي وهو ما يدفع الى أزمة ديمقراطية حالية، ورغم زيادة مرونة السياسيين ذوي الخلفيات الإسلامية او المحافظين بعامة في التعامل مع التيارات المختلفة بخلفيات ورؤى نقيضة للرؤى التي يتبناه الإسلاميون، الا ان التجاوب والتظاهر بفكرة المشاركة الديمقراطية لا تبدو مترسخة عن قناعة لدى القيادات الإسلامية، التي تبقى على أهداف تتجاوز المرحلة الحالية، حيث تعتمد انكار خصومها اللدودين والأقوياء كحزب الدستوري الحر التي تصفه بالحزب الاقصائي، وأيضا تختلف مع مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يحصد شعبية تزعج الإسلاميين الطامحين لتفرد الغنوشي بهذه الرمزية والشعبية التي يحظى بها سعيد الرجل القانوني الوافد حديثا على السياسة وغير المخضرم سياسياً.
وان تظاهر الإسلاميون بقبول شروط التعددية والعمل الديمقراطي والتشاركية، الا ان أزمة قبول التعددية والاختلاف في الرأي داخل الحركة ينبئ بعكس ما تظهره سياسات الحركة، ويتضح ذلك على مستوى أزمة انتخاب القيادات وخلافة زعيم الحركة الغنوشي. فأزمة تأخير المؤتمر العام للحركة يوحي باستمرار خلافات أدت الى انشقاقات كثيرة ومحدودية الانسجام حول تطوير العمل السياسي داخل حركة النهضة الإسلامية وتداول القيادة بين الجيل القديم والجيل الجديد، فضلا عن أزمة ثقة بين دعاة البراغماتية وبين الإسلاميين وبين المتشددين والمتمسكين بأصالة اهداف الحركة الإسلامية واولوية التمسك بالمبادئ المحافظة التي لأجلها كسبت آلاف المناصرين حولها على مر السنوات.
وقد تميز تطور أداء حركة النهضة الإسلامية على سبيل المثال بالتناقض بسبب محاولات التنقل بين معايير الاعتراف بها كحركة سياسة مدنية من الدوائر العلمانية الداخلية والخارجية، وبين أهداف الحفاظ على أصالة خطابها وفكرتها المرتبطة بخزانها الانتخابي.
وفي حين يبرر قياديو “النهضة” تأخير المؤتمر حتى تحسن الظروف الوبائية وتأجليه لصيف 2021، تتناقض هذه التبريرات مع أضخم مؤتمر خطابي لرئيس الحركة في أكبر شوارع العاصمة التي ضمت الالاف من مناصريه في مخالفة صارخة للقيود الصحية وواقع تفشي فيروس “كورونا”، لذلك فإن الخلافات المستمرة حول رئاسة الحركة تبقى هي الدافع الضمني لتأخير مؤتمر العام، ومنذ بداية تأجيل المؤتمر انسحب أكثر من قيادي من الحركة في خلاف صريح مع الغنوشي والدائرة الضيقة المحيطة به والموالية له، والداعمة لاستمرار قيادته للحركة رغم تقدمه في السن وانشغاله بقيادة مجلس النواب الذي أرهقت انقساماته، والتحالفات المضادة له قدرة الرجل على التوفيق بين الرئاستين.

تأثر “النهضة” بـ”التجمع الدستوري”
تأثر الإسلاميون المعتدلون في تونس بتجربة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي والذين ثاروا ضده، فقد انتهج سياسيو “النهضة” السياسات نفسها في التعبئة والحشد والاستقطاب والانتشار الجغرافي، وتشبه طريقة توسيع شبكة الموالين على مستوى القواعد الانتخابية الطريقة نفسها التي اعتمدها حزب بن علي السابق، ولعل التحاق أمينه العام السابق بديوان الغنوشي رئيس البرلمان والذي هو نفسه رئيس حركة “النهضة” الإسلامية دلالة على وجود حاجة لخبرة رجال بن علي في تطوير أداء الحزب الإسلامي وتعزيز تماسكه بطريقة التجمع السابق من اجل ضمان قواعده وشعبيته وصولا الى الهيمنة الشاملة التي يفتقدها والتي كلما كرس الوسائل الديمقراطية لبلوغها يخسر أكثر بسبب تقلب مواقف الحزب ورئيسه وتناقض تحالفاته وصولا الى تراجع كبير في نسبة الثقة بالإسلاميين وحركة النهضة والغنوشي، وقد اكدت هذه التوجهات مؤشرات إحصائية لشعبية السياسيين والأحزاب وخاصة على مستوى رصد نوايا التصويت للانتخابات المقبلة التي تراجعت فيها بشكل ملحوظ حركة النهضة والإسلاميين عموما مقابل صعود حظوظ الحزب الدستوري الحر، الذي يستمد شرعيته من رموز النظام القديم، ومن معارضته الشديدة للإسلام السياسي.وقد استفاد هذا الحزب من أخطاء الإسلاميين وقلة خبرتهم في إدارة الشؤون الاقتصادية، ويحمل الدستوري الحر انهيار مؤشرات التنمية لعدم كفاءة الإسلاميين كطرف حاكم في البلاد.

خطاب الإنكار
بفضل محافظة حركة النهضة على تقدمها على بقية الأحزاب في التنظيم والتماسك طيلة العشر سنوات الأخيرة بعد ما يوصف ثورة شعبية في 2011، توهم الإسلاميون انهم من يهيمنون على المشهد السياسي ويقتربون من إحكام السيطرة على اتجاهاته، وسعت الحركة للاستعجال في حصاد ثمار هذا التماسك والتنظيم مقارنة بالأحزاب الأخرى بالدفع بقياداتها الى مواقع القرار والاستحواذ عليه، لكن حال دون ذلك صعود شعبية أحزاب وشخصيات أخرى استنزفت جزءا من خزان الحركة الانتخابي الذي تحول الى أغلبية صامتة.
رغم ذلك استمر آلة الدعاية للإسلاميين في زيادة اعتماد خطاب الانكار لحقيقة تراجع شعبية الإسلاميين وبلوغ شخصيات سياسية أخرى لنفس شعبيتهم، ولجأوا الى الترويج لدورهم كمدافع ليس عن الإسلام فقط، بل عن اهداف ومكتسبات الثورة وهو ما لم تنجح الة الدعاية الموالية للإسلاميين في اقناع الشعب بها حيث يزيد تأييد أحزاب وشخصيات مناهضة للإسلاميين في نوايا التصويت للانتخابات المقبلة.
خطاب انكار شعبية خصوم الإسلاميين وتأكيد تصدر قياداتهم التأييد الشعبي، يدفع الى زيادة تأزيم مستقبل تطور عمل الحركة ومرونتها في التعامل مع التغيرات وتجديد فلسفة الاندماج وهجف الهيمنة.

تطور مضطرب
أثبتت دراسة حصاد عشر سنوات لممارسة الإسلاميين في تونس للسياسة بعد “ثورة الياسمين” في 2011، وجود تطور في الأداء والشعارات لكن مع الإبقاء على نظرة عدم اليقين بحقيقة أهداف الإسلاميين المبطنة والتي ترمي في الظاهر الى رغبة جامحة في ممارسة الحكم بعقلية حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحزب الحاكم قبل ما يعرف بـ”ثورة الياسمين” في 2011.
الا ان هذا التطور شهد تقلبات في المواقف والشعارات بهدف الاندماج في المشهد السياسي والحيلولة دون مواجهة الاقصاء،وقد شهد الإسلاميون خلال العقد الماضي انشقاقات وانقسامات بين صفوفهم افضت الى انسحاب الكثير من سياسييهم من دائرة العمل السياسي لصالح احتكاره لفائدة راشد الغنوشي مؤسس الحركة التي تستوعب أغلب السياسيين ذوي الخلفيات الإسلامية الإصلاحية.
وتدفع تكتيكات الحركة ورئيسها الى اثارة مزيد من الشكوك حول مصداقية ووعود وبرامج الإسلاميين الإصلاحية، والتي باتت على المحك. وتواجه الحركة أيضا مرحلة اختبار مصيرية في السنوات المقبلة في حال لم تواجه البلاد انتخابات مبكرة، اذ تواجه زيادة الانتقاد الشعبي والتحالفات المضادة داخل البرلمان بالإضافة الى احتدام ازمة ثقة بين الرئاسات الثلاث، وتذكي شكوك بوجود اجندات داخلية وخارجية نظريات المؤامرة بين الأوساط الشعبية وأنها من تهيمن على المشهد وتقرر مصير البلاد.
ورغم التكتيكات المتبعة للإسلاميين في تقديم التنازلات والليونة المعلنة واعتماد سياسات التكيف وأولوية المصالح في عقد تحالفات متناقضة طيلة العشر سنوات الأخيرة لم ينجح الإسلاميون في عقد تحالفات مستقرة طويلة المدى تعزز الإصلاح الداخلي، بل سبب عدم الانسجام ومحدودية التكيف في ارتفاع نسبة تعثر مسار العمل الحكومي الذي شاركوا فيه وذلك برصد بزيادة وتيرة التحوير الحكومي وتدوير القيادات العليا في الادارات، والذي اثر على استقرار برامج مؤسسات الدولة وارتباك حصيلة الحكومات المتعاقبة طيلة عشر سنوات ودفع الى زيادة انتقاد دور الإسلاميين في الحكم، وصولا الى تراجع وهج رمزية زعيم الحركة نفسه راشد الغنوشي الذي يواجه حملة انتقاد شعبية واسعة بسبب تناقض مواقفه وحلفائه وعدم انسجام أفكاره الإصلاحية، واتضاح رغبة السيطرة والبقاء في دائرة الحكم على حساب تطلعات الناخبين وقواعد الحركة التي تراجعت رغم تماسكها الهش.

تبني التغيير ديمقراطياً
الجانب الإيجابي لدراسة تطور عمل الإسلاميين السياسيين خلال العقد الماضي يتمثل في تعزز تبني ثقافة المشاركة السياسية الديمقراطية، والتي تقلص من التطرف الإسلامي بهدف التغيير والإصلاح، وبات اغلب الإسلاميين يولون أهمية للإصلاح عبر القنوات الديمقراطية السلمية، الا ان المقلق ان هدف السيطرة على مراكز القرار والتفرد في الحكم يبقى طموحا يهمين على الإسلاميين الذين قدموا تنازلات كثيرة طيلة العقد الماضي للبقاء في المشهد السياسي طرفا في ائتلاف الحكم، بانتظار فرصة ممارسة الحكم بشكل متفرد، وهذا ما اتحاته فرصة الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي منحت “النهضة” الفوز بأغلبية برلمانية تمنحها حق تشكيل الحكومة فضلا عن نجاح رئيسها بنيل ثقة رئاسة مجلس النواب، وهو انجاز احتفى به الإسلاميون من اجل تنفيذ برنامجهم الإصلاحي، الا ان تطلعاتهم في ممارسة الحكم بشكل مستقل عرقلتها مقاربات مؤسسات وأحزاب أخرى تتهم الحركة برغبة اختطاف مراكز صنع القرار وتنفيذ أجندات مختلف عليها.
رغم التظاهر بالقوة والقدرة على حشد المناصرين على الأرض الا أنها قوة وهمية شبيهة الى حد ما بقوة توسع نفوذ حزب الرئيس السابق الراحل الباجي قائد السبسي (نداء تونس) الذي كان ينافس النهضة بالانتشار، وبموت زعيمه السبسي لم يعد للحزب، أو فكرته، أو شعاره أثر على الأرض أو في عقول الناخبين التونسيين.
وتربك أزمة ثقة فضلا عن عدم الانسجام بين الحركة وبين الأحزاب الأخرى تنفيذ أي برامج إصلاحية او تنموية، اذ اثرت زيادة نسبة التغيير في قيادات الدولة في زيادة تعثر وتيرة الإصلاح وتنفيذ المشاريع أو استقطاب الاستثمارات الخارجية، حالة تأزيم عمقتها جائحة فيروس “كورونا” لتتضاعف بذلك وتيرة عدم الاستقرار الحكومي الذي سبب تضاعف نسبة العجز والبطالة وأضعف آفاق التنمية.
في ظل هذه الوضعية التي اعترفت الدولة انها كارثية، تصرّ الحركة على أولوية الإصلاح السياسي من خلال بوابتها وفكرتها الإصلاحية الخالصة التي لا تتشاركها بشكل ضمني مع أطراف سياسية عدة، ويدفع مؤشر عجز الحركة على التغيير ضمن ائتلافات الحكم الى زيادة تطلعات بين قيادات الحركة لممارسة حقها كحزب فائز في تشكيل الحكومة والتحكم في برامجها، إلا ان ذلك لا يمكن ان يكون متاحا الا من خلال طلب مظلة دستورية تحد من تدخلات الرئيس في عمل الحكومة، وهذه المظلة هي المحكمة الدستورية التي تأخر تأسيسها منذ 2014، وهو تأخير كان بمثابة السبب العلني لرئيس الجمهورية في عدم المصادقة على مبادرة قانون انتخاب أعضاء المحكمة التي تدفع الحركة الى تحققها بل أصبح وجودها مطلبا ملحا في برامجها أكثر من مطالب تفعيل التنمية أو المصالحة الوطنية.
وتعترف قيادات الحركة بعدم إمكانية سير عمل الحكومة أو الدولة في ظل أزمة ثقة وتضارب صلاحيات بين الرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان.
في هذه الاثناء تزايدت اتجاهات الاستقطاب لكسب قوة مجتمعية رابعة مؤثرة على الأرض وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث تشتتت جهوده باسم التوفيق بين الرئاسات وحل الازمة ضمن حوار وطني يجد خلافا على بنوده وشروطه.
وبلغت الأزمة السياسية المعتمدة على الخطابات والمواقف الشعبوية حد انكار أطراف سياسية لأخرى وعدم الاعتراف بشرعيتها السياسية.
ضمن هذا التطور في التأزيم السياسي وغياب الحوار، يزيد احباط المواطن التونسي من افاق التغيير والإصلاح، ورغم تعزز اداء القضاء وتأدية دور حاسم في تنقية المسار الديمقراطي من مظاهر الفساد او المتعدين على القانون وتجاوزات النافذين يتعمق أكثر في المقابل عدم اليقين لدى شريحة واسعة من التونسيين بتحسن قريب للأوضاع في البلاد.
وفي ظل انسداد الافاق قريبة الأجل يعمل الإسلاميون على تفعيل شعارات التغيير وقدرتهم على تحقيقه بمفردهم، اذ لا تؤمن الحركة في أدبياتها بالديمقراطية المثالية التي يتظاهر بها زعيم الحركة.
النظام السياسي والانتخابي الحالي قد يدعم استمرار تواجد الإسلاميين داخل السلطة التشريعية أو التنفيذية، لكن لا يدعم تطور طموحاتهم مستقبلاً في ممارسة السلطة بشكل منفرد من دون تعديلات دستورية وفي غياب المحكمة الدستورية. أمر يدفع الإسلاميين داخل البرلمان الى الضغط من أجل تحققه بسرعة للحد من تدخلات وتأويلات رئاسة الجمهورية، لكن تشبث الرئيس بالتدقيق في دستورية هذه المحكمة يحول دون ذلك.
الا أن النظام الحالي قد يشجع على استمرار التأويلات والتأزيم السياسي والفساد، وهو ما قد يتطلب إصلاحات عاجلة لا يمكن حصولها الا بحوار وطني بين الأطراف الفاعلة.
وقد يضطر الإسلاميون الناشطون في السياسة في تونس، وبخاصة الممثلين في مجلس النواب تحت مظلة حركة “النهضة” أو “ائتلاف الكرامة” لتأجيل طموحات السيطرة والانفراد بقيادة السلطتين، التنفيذية والتشريعية، في ظل زيادة أهمية أدوار رئيس الجمهورية قيس سعيد ومنظمة اتحاد العام التونسي للشغل في مسارات المشهد السياسي رغم اختلاف تموقعهما.
ويتجه الإسلاميون في تونس الى الإقرار بالفشل في تحقيق طموحات السيطرة على حكم مصير البلاد.

قيس سعيد
راشد الغنوشي
جانب من الانتخابات البرلمانية الأخيرة
You might also like