النصيحة اليوم مجاناً والأسف غداً بأغلى الأثمان

0 36

أحمد الجارالله

كل حكومة في البلاد، ومنذ السنوات الخمس التي سبقت الغزو العراقي، كانت حكومة تحديات حقيقية، وما بعد التحرير كَبُرت تلك التحديات لأن الأساس كان، ولا يزال، هو الخروج من عنق الزجاجة والسير بخطى واثقة إلى التنمية المستدامة، التي باتت شعاراً بعيد المنال بسبب الغرق في تفاصيل زيّنتها شياطين المصالح على أنها أولويات، فيما المطلوب في مكان آخر.
لذا اليوم، وبعد التجارب المريرة التي مرت بها البلاد في العقود الثلاثة الماضية، وما اعترى الحكومات الثلاث لسمو الشيخ صباح الخالد من مشكلات أدت إلى مزيد من الجمود على المستويات كافة، بات الأمر أكثر إلحاحاً من ذي قبل للإتيان بوزراء اختصاص يتفرغون لعلاج الملفات الثقيلة الرابضة على مكاتبهم وعلى صدور الناس، وليس إعادة تدوير أسماء أثبتت فشلها في الماضي القريب، ولم تكن على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها.
لهذا إذا صدقت التوقعات حيال الأسماء المتداولة للعودة إلى بعض الوزارات فكأنك يا بوزيد ما غزيت، لأن من فَشِل في ظروف أقل وطأة من الحالية لن يكون قادراً على تأمين السيولة المالية، ومعالجة السلبيات التي أدت لخفض تصنيف الكويت الائتماني.
كذلك الأمر في الصحة والأشغال والتعليم والاقتصاد والتجارة، ففي كل واحدة منها معضلات تحتاج إلى جرّاحين مهرة لاستئصال سبب الداء، وليس من يرددون مقولة ” تم طال عمرك” ولا يفعلون أي شيء، لأن هؤلاء دائماً يزيدون الطين بلة.
في الكويت كفاءات كثيرة متخصصة، وأهل للإدارة، ولأن هذه الحكومة الرابعة لسمو الشيخ صباح الخالد، التي ستدخل إلى المعترك، متحللة من التزامات المرحلة الماضية، فلا بد أن تكون متفرغة للعمل بجدية، متعالية على المناورات التي يمارسها النواب في سبيل تحقيق مصالحهم الانتخابية الخاصة، لأن بغير ذلك سيحمّل الكويتيون المسؤولية إلى سمو الرئيس عن أي فشل، لاختياره هذا النوع من الوزراء.
للأسف إن مجالس الوزراء المتعاقبة ساهمت بتعميم الفساد من خلال المحاباة في المشاريع، والقبول بتلزيمها بكلفة أعلى بكثير من قيمتها الحقيقية، إضافة إلى التأخير المتعمد في تنفيذها لفتح الباب للأوامر التغييرية، وإطالة الدورة المستندية عمداً جراء التضارب في الاختصاصات، حتى ان بعضها مر عليه أكثر من 25 عاماً ولا يزال قيد التنفيذ، بل حين دشن بعض أقسامه تكشفت فضيحة كبيرة عن سوء التنفيذ.
خلال العقود الماضية تسببت بعض التيارات السياسية، وكتل نيابية، وبسبب تقاعس الحكومة عن التصدي لها، بتكبيل الاقتصاد بقيود كثيرة ما أدى إلى فشل المشاريع الكبرى، مثل المنطقة الاقتصادية الشمالية ومدينة الحرير، والمناطق الحرة الحدودية، وعدم تنفيذ خطة توني بلير، وكذلك إقفال البلاد أمام المستثمرين والسياح، إضافة إلى تعكير صفو العلاقات مع الجيران، وهو ما جعلنا على هذا النحو من التخبط، كأننا نسير في نفق مظلم لا نخرج من حفرة إلا لنصطدم بجدار.
كل هذا اليوم أمام سمو الرئيس الذي عليه أن يكون على مستوى الثقة الممنوحة إليه من القيادة السياسية، ويعمل بأريحية لإخراج البلاد من المأزق، فلا يعيد سيرة حكومته السابقة التي كان التخبط سمتها الأساس، وقديماً قال أفلاطون:” مَن يأبى اليوم قبول النصيحة التي لا تكلّف شيئاً سوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى الأثمان”.

ahmed@aljarallah.com

You might also like