انتفاضة العطش إلى الحرية

0 487

د. ميشال الشمّاعي

“الصراع الحقيقي اليوم بين المؤمنين بالحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة المسؤولة الأصيلة، وبين الذين يرتعون في ظلّ هذه الحرّيّة بقصد استخدامها لمآرب أخرى”، هذا ما قاله الفيلسوف اللبناني الدكتور شارل مالك في سبعينيّات القرن المنصرم.
هذه حقيقة وجوديّة لا يمكن إنكارها في أيّ صُقْعٍ من الأصقاع الأربعة، وانطلاقًا من هذه الاشكاليّة تأتي مقاربة الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط ومحيطه الحيوي، فهل ستمخر دول المنطقة عباب يمّ الحرّيّة بهدوء تام من دون عواصف، أم أنّ هذا الانتقال سيُضَرَّجُ بالدّماءِ الزكيّة وغرق بعض الدّول والمنظومات؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ الباطل قد ينتصر جولة، لكنّ الحقّ له ألف جولة وجولة، والأنموذجات في التاريخين المعاصر والقديم كثيرة، فمسار الحرّيّة واضح. نيّف وسبعة عقود من النّظام الشيوعي في الاتّحاد السوفياتي وأوروبا الشرقيّة فصلها جدار برلين عن العالم الحرّ، كلّها هوت وسقطت في لحظة حرّيّة. وهكذا بعض الدّول العربيّة التي أسقطت طواغيتها وباتت اليوم حرّة، ومنها مَن لم ينجح، ليس لأنّ مسار الحرّيّة خاطئ، بل لأنّ الطاغوت المتحكم بهذه الشّعوب هو من عمل الشرّ، ولن يتمّ القضاء عليه بسهولة لأنّه يتلقّى المساعدات من الأشرار أمثاله، لكن بنهاية المطاف، ستنتصر الحرّيّة.
ولعلّ ما يحدث اليوم في إيران خير دليل على أحقّيّة مسار الحرّيّة. قد يقمع أيّ نظام ناسه كلّهم بعض الوقت، لكنّه لن يستطيع قمعهم كل الوقت. وهذا ما حصل مثلا في لبنان مع الاحتلال السّوري الذي استطاع مع عملائه تقويض الواقع، فكان له ما أراد من العام 1990 حتّى العام 2005 عندما أشعل اغتيال الرّئيس رفيق الحريري لحظة الحرّيّة في 14 آذار عام 2005، وتحرّر لبنان من الاحتلال السّوري. واليوم يخوض اللبنانيّون مواجهة جديدة للتحرّر من الاحتلال الإيراني بيد “حزب الله” اللبناني ولحظة الحرّيّة الثانية باتت وشيكة أيضًا.
أحداث إيران اليوم تأخذ منحى الحرّيّة، وما الانتفاضة المسماة” انتفاضة العطش” سوى انتفاضة عطش إلى الحرّيّة. لأنّ لو كانت إيران موئلا للحرّيّة لما عطش الايرانيّون يومًا. وإن لم ينجح الشعب الايراني بإسقاط طاغوته اليوم فهو حتمًا سينجح في لحظة حرّيّة، باتت وشيكة جدًّا. وما إعلان خامنئي فشل المفاوضات مع الأميركيين وتوقّفها إلا خير دليل على ذلك، فالخير لا يفاوض الشرّ.
واستباقًا لأيّ ردّ فعل قد يضرّ بالشعب الايراني العطِش والجائع، حمّلت طهران واشنطن مسؤولية توقف مفاوضات فيينا بحجّة أنّ الاخيرة أصرّت على مناقشة ملفي الصواريخ والنفوذ، وفق ما عبّر عنه خامنئي الذي اعتبر أنّ التجربة أثبتت عدم صحّة الثقة بالدول الغربيّة، وأنّ ذلك لا يأتي بنتيجة وفق زعمه.
لكأنّ هذا النّظام ما زال يعتقد بأنّه قادر على البطش بشعبه، وتجويعه لتطويعه، في عالم بات كلّه قرية كونيّة واحدة، نتيجة للثورة الرّقميّة، والفورة التكنولوجيّة في عالم الاتّصال والتّواصل، وهذا ما ينذِرُ باقتراب سقوط المنظومة في إيران؛ ويعني أيضًا أنّ الأذرع الإيرانيّة من لبنان إلى اليمن، والعراق، وسورية، وغزّة ستستشرس أكثر ليستخدِمها المفاوِضُ الإيراني في عمليّاته التفاوضيّة، ما ينبئ بحدوث المزيد من الاضطرابات في هذه الدّول لإحداث المزيد من الضغوط على الأميركيّين، وهو ما ينذر أيضًا بالمزيد من البطش في الداخل الايراني في محاولة لإغراق مركب الحرّيّة الذي بات في خضمّ اليمّ الكوني للحرّيّات.
لن يستطيع هذا النّظام الاستمرار حتّى لو أدار ظهره إلى العالم الحرّ وفتَحَ ذراعيه ومصراعي أبواب أمّته الاسلاميّة على الصين الشيوعيّة الملحِدَة، فما هذه المفارقة القاتلة من نظام ثيوقراطيّ ينفتح على نظام ملحدٍ شيوعيّ ظنًّا منه بأنّه يستطيع أن يؤمّن مقوّمات جديدة لبقائه بتخلّيه، مثلا، عن قطاع الطاقة وبناه التحتيّة محوّلا إيّاهما مجالا استثماريًّا للأموال الصينيّة التي يظنّ أنّها ستغدَقُ على نظامه فتشكّل له مَنْفَسًا جديدًا، علّه يستطيع مواجهة عقوبات الغرب الليبرالي.
من هذا المنطلَق، نؤكّد أنّ تجارب التاريخ كثيرة في صراع الحقّ والباطل والخير والشرّ والعدل والظلم، وكلّها انتهت الى نتيجة واحدة، ولو تحالف شياطين الأمم كلّهم لمواجهة الحقّ والخير والعدل في نهاية المطاف لن يصحَّ إلا الصحيح. ومَن لم يتّعظ بعد عليه استلحاق ما بقي من مقوّمات بقاء عنده لينخرط في العالم الجديد، عالم الحرّيّة.
فهل سيربح الظلم جولة جديدة أم ستكون الحرّيّة قدرًا للأحرار ومن البوّابة الايرانيّة؟

استاذ جامعي لبناني

dr.michel.chammai@hotmail.com

You might also like