حتى لا تبكوا كالنِّساء مُلكاً أَضَعْتُمُوه

0 183

أحمد الجارالله

ما يحدثُ في دول عربيّة عدّة، لم يكن مُتوقَّعاً، وما كان متوقعاً أصبح من الأحلام، وكلُّ ذلك نتيجة لعدم إدراك النُّخب الحاكمة ما يُمكن أن تصل إليه دولُها في حال تركت أمر الحكم على غارب الصُّدف، ولم تواجه مشكلات شعوبها بجدية، أو بسبب ترك الحاكم إدارة الأمور إلى الحاشية والمُستشارين، أو اختياره مسؤولين ليسوا أهلاً للمناصب التي تولوها.
لهذه الأسباب تحوَّلت التنمية تخلفاً وتراجعاً في شتى المجالات، والشفافية باتت ستاراً حديدياً يزيد من حلكة ظلام طريق المستقبل، أما الديمقراطية ففي بعض الدول العربية أصبحت احتراباً وأنهار دماء، وكأنَّ جائحة “كورونا” لم تُصب الإنسان فقط، بل فتكت بالأنظمة ومؤسسات الحكم فأضعفت مناعتها وحصانتها، لذا هناك دولٌ عربيّة تعيش وضعاً مرعباً، وإذا لم يتدارك حكامُها الأمر، ويسارعوا إلى الإصلاح ولو بعمليات جراحية، حتى من دون تخدير؛ كي يكون الألم جرس إنذار يمنع من العودة إلى الخلف، فإنَّ القادم من الأيام سيكون أشبه بالجحيم.
ربما على حكام هذه الدول قراءة التجربة الأندلسيّة بتمعُّن، فواقعهم لا يختلف عن واقعها، لا في عزِّ قوتها ونهضتها، بقيادة مؤسسها عبدالرحمن الداخل، ولا في أوان ضعفها عندما سادت قناعة الاستحواذ بين أمراء الأندلس فبدأوا اقتسام الدولة بينهم، حتى تحوَّلت دويلات هشّة، مُهددة في كلِّ لحظة، إما بالغزو الأجنبي، وإما بالصراعات الداخلية.
حتى لو كانت تلك الصراعات خلف أبواب مُغلقة، إلا أنها أضعفت الدويلات، وأدت بها إلى الزوال؛ لأنَّ أمراء الطوائف استجاروا بأعدائهم الفرنجة؛ للتغلب على أبناء جلدتهم، وكان آخرهم أبوعبدالله الصغير، الذي لم يعرف كيف يحفظ إرثاً بناه الآباءُ والأجدادُ، ليقف حين طرد من قرطبة على ربوة يبكي مُلكه الذي أضاعه بالمُغامرات واللهو، فقالت له أمُّهُ تلك العبارة الشهيرة: “لا تبكي كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال”.
ليست الدعوة إلى تأمُّل تلك العِبَر للتَّسلية، إذ ليس لدى الحكام وقتٌ للتسلية، إنما العمل الدائم على حُسن إدارة البلاد، بلا أي تهاون، بل بسرعة القرار والحزم به؛ لأنَّ الناس على دين ملوكها، فالقائد المُجتهد هو من يجعل النصر بمتناول جنوده، وليس ذلك الذي يتقاعس عن شؤونهم؛ لأنه بذلك يشيع الفساد في بلاده.
هذا مكمن المرض الذي تُعانيه دولٌ كان من المفترض أن تصبح أكثر تقدُّماً، وراسخة بالديمقراطية، وتدار مؤسساتُها بشفافية، لكن للأسف سادت منذ عقود قناعة عند الحكام العرب، وهي الأخذ بآراء المستشارين، وغالباً ما يكونون إما من شذاذ الآفاق، وإما من الذين لا يعملون بضمير، بل يضعون مصلحتهم الخاصة فوق مصلحة الدولة.
في هذا العالم كُثُرٌ، من أمثال إيزابيلا وفرناندو، يتربصون بالدول العربية، التي انتشرت فيها أمراض شيخوخة الإدارات، وفقاً لما قاله ابن خلدون، أكان بترف النُّخبة الحاكمة، التي ترفل في النعيم، ناسية أو مُتناسية آلام شعوبها، فتستقوي عليها بالقوة المُسلحة كلما دعت الضرورة لإسكاتها، فيستشري الفساد، وتعمُّ الفُرقة، عرقية كانت أو طائفية ومذهبية، وتكثر السرقة، فهل يتعظ بعضُ الحكام العرب من الماضي الأندلسي؟

You might also like