حصص جوعى لبنان التموينية تُباع في أوروبا!

0 66

حسن علي كرم

كنت أظن أن الكويت وحدها، من دون العالم، تتعرض المواد التموينية التي تمنح للمواطنين بأسعار أقل من أسعار السوق تُهرب الى الخارج وتُباع هناك في الاسواق السوداء، لكن عندما أخبرني صديق لبناني عن سرقة المواد التموينية المخصصة للاسر اللبنانية الفقيرة، وتهريبها الى الخارج وتباع هناك في محال المواد الغذائية، وعندما شاهدت بعيني في نشرات الاخبار على القنوات التلفزيونية اللبنانية تقارير عن تلك القصص، هنا لم أقل: ان الحال من بعضه يا صديقي، إنما قلت يا جياع العالم اتحدوا، فالجوع واحد والرب واحد، والفساد واحد، وسرقة رغيف من فم جائع، او سرقة بنك او باخرة محملة باطنان السلع واحدة!
الكويت ربما دون العالم لم تضع خطوطاً حمراء، او صفراء، او خضراء، او درجات او تصنيف لفئات المجتمع، فالمواد التموينية، مثلاً، توزع على فئات الدخول المتدنية او المحدودة، يتقاسمهم بالانصبة الاثرياء واصحاب الارصدة المليارية، وهذا لا يحدث الا في الكويت، هل هي العدالة التي تطبقها الحكومة على مواطنيها، ام سد حنك، ام تفتيت الطبقية؟
كل ذلك جائز باعتبار ان الدستور ساوى بين المواطنين في الحقوق، وهذا تفسير خاطئ بتطبيق خاطئ، فالفقراء في كل بلدان العالم، عدا الكويت، لا يمكن ان يتساووا مع الاثرياء في أنصبة لا تكون من حقهم، فالله في محكم آياته يقول (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم بها)، ولم يقل جل شأنه ان تأخذوا من المعدمين، لان هؤلاء لا يملكون شيئاً يستحق الأخذ، إنما يستحقون العطاء، لذلك فتوزيع التموين على الطريقة الكويتية هو افراط في غير موجب، واذا وجدنا كثرة السرقات والنهب والتهريب والبيع بالسوق السوداء للمواد التموينية، فذلك لكونها تمنح لاسر لا تحتاجها، او بالكويتي الفصيح “لا تستحقها”، فاما ان يأخذوها ثم يعاد بيعها، او لا يأخذوها من مراكز التوزيع.
العدالة والمساواة ليستا حكماً يطبق على كل السكان في كل الاسباب والظروف، ولا تكليف تتحمله الحكومة لتحقيق المساواة في أرزاق الناس واحوالهم، من هنا ينبغي ان تعيد الحكومة النظر في مسألة حصص التموين وتحديد الفئات المستحقة من غير المستحقة.
الحكومة تصرف من ميزانيتها الملايين، وربما مليارات، لتغطية المواد التموينية واستهلاك الكهرباء والماء والبنزين، بينما تبقى بين حانا ومانا لخواء الخزينة وعجز الميزانية، وهنا نراها، تلجأ حاليا الى أخطر الحلول وأغباها، وهو السحب من احتياطي الأجيال او الاقتراض الخارجي، وفي كلا الحالين الخاسر الاكبر الدولة والشعب، بينما الحكومة تحل معضلة موقتة وترحل، لكنها تورط الدولة والاجيال القادمة بارزاقها وأمنها وأمانها.
الحكومة الحصيفة لا تورط الشعب في الاعسار، ثم تقول انا راحلة، تدرك مسؤولياتها الوطنية وتعمل بوعي وحكمة، فاوضاعنا خاصة المالية لم تصل الى هذا المنحنى الخطير الا لان حكوماتنا لم تتصرف بوعي، انما باستغفال واستهتار ولا مسؤولية، وكأن الأموال تنزل من السماء بلا عدد!
ينبغي على الدولة ان تعيد حساباتها، وما كان ممكناً في الماضي بات عسيراً في الحاضر وربما الاعسر في القادم من الايام، والدولة لا ينبغي ان تظل الى الابد مثل الثري الجاهل تصرف بلا وعي، فالدول لا تبنى على السذاجة وصرف ما في الجيب، انما الدولة الحصيفة تسير على مقولة الفلس الأحمر ينفع لليوم الأسود.
ينبغي ان يعاد النظر بنظام التموين واستهلاك الكهرباء والماء والبنزين، واعادة تسعيرها وفقاً لشرائح، اذ لا توجد دولة في العالم ساوت مواطنيها الاثرياء والفقراء في الضرائب وحق الانتفاع، فما كان ممكناً في خمسينيات القرن الماضي بات متعذراً في حاليا، وربما في المستقبل.
الكويتيون يزدادون عدداً والانفاق يزداد ارتفاعاً والإيراد يزداد انخفاضاً، فالبترول لم يعد السلعة الستراتيجية النادرة في ظل البدائل المتوافرة، لذا نحتاج الى حكومة تخرج من عباءة الخوف، وتخاطب الامة بمقتضيات الزمن الحالي ورؤية المستقبل وتراجع حساباتها فوراً، فالكويت ما زالت بخير، لكن الركون الى الأحلام لا يبني دولة.

صحافي كويتي

hasanalikaram@gmail.com

You might also like