حين تزرع بيوتُ الحكم الريحَ تحصد الدولُ العواصفَ

0 325

أحمد الجارالله

طريقُ الدول إلى الجحيم يبدأ بعجز كبارها عن ابتكار الحلول الواقعية، وتخليهم عن المشورة، لذا قيل قديماً: “من ليس لديه كبير، ليس له تدبير”، ويُروى أنَّه في قديم الزمان رضخ ملك لطلب زوجته بالتخلُّص من كلِّ الرجال الذين بلغوا الخامسة والستين من العمر وما فوق، فأمر بإعدامهم جميعاً.
بعد فترة وجيزة هَبَّتْ عاصفة هوجاء على البلاد، أدت إلى حبس المطر، فَيَبُسَ الزَّرع، وعمَّت المجاعة، فأمر الملك جيشه وكل الرجال بحصاد العاصفة، فهبَّ الجميع إلى مناجلهم يحصدون يومياً بلا هوادة دون أن يترك لهم مجالاً للراحة، فكان عملُهم مرهقاً وميؤوساً منه.
وحدث أثناء تجوُّل الملك بين الحصادين أن رأى أحدهم جالساً يختلس الراحة ومنجله إلى جانبه، وعندما اقترب منه عمد هذا إلى حركة غريبة بكلتا يديه، فنهره الملك، فقال: “المعذرة يا مولاي، جعت ففركت سنبلة ممّا حصدته وأكلت حبوبها”، قال الملك: “ولكنّك لم تأكل إلّا الهواء”، أجاب: “من يحصد العاصفة لا يأكل إلّا الهواء”، فقال الملك: “هذه حكمة من حكم الشيوخ، ولا يُمكن أن تصدر عن شاب مثلك، فقل لي مَنْ علَّمك ذلك، وإلّا قتلتك؟”.
خاف الشاب وقال: “عفواً سيّدي، عندما أمرتم بقتل كل كبير شفقت على والدي الشيخ فخبَّأته في مكان ألجأ إليه كلّما احتجت إلى نصائحه، وهو الذي علّمني أن أفعل ذلك”، فانفرجت أسارير الملك وقال: “صحيح، من ليس عنده كبيرٌ يشتري كبيراً”.
أسوأ الأزمان حين تفتقد الدولة، أي دولة، إلى كبير يتدبر شؤونها، أو يرضخ لمشورة من يقدمون رغباتهم على المصلحة العامة، أو نزعاتهم الدينية والغيبية، لذا يزرع هؤلاء الريح ولا يحصدون غير العواصف، ومن ذلك ما شهدته بريطانيا في القرن السادس عشر، إذ بعد وفاة الملك هنري الثامن اعتلت ابنته الكبرى ماري، العرش، التي كانت معروفة بتديُّنها، وتطرُّفها للكاثوليكية فعملت على تقديم رأي الكهنة على كل رأي آخر، بينما كانت شقيقتها الصُّغرى إليزابيث تعتنق المذهب البروتستانتي، لذا سعت ماري إلى التضييق على أختها، وبدأت موجة من الإعدامات بتهمة الهرطقة، حتى لُقِّبَتْ بالملكة الدموية.
في تلك الأثناء، شهدت بريطانيا الكثير من القلاقل الأمنية والفتن، وعاشت البلاد انكماشاً اقتصادياً كبيراً وصل إلى حد المجاعة، فيما كثر تسلُّط الكنيسة، وبدأ الانحطاط السياسي والتراجع الاجتماعي، بينما تفرَّغت الملكة للصراع مع أجنحة بيت الحكم، فعمدت إلى اعتقال شقيقتها، وحكمت بإعدامها إذ اتهمتها بالمسؤولية عن التمرد البروتستانتي، لكنها عادت عن قرارها عندما تأكدت أنه ليس لإليزابيث علاقة بالأمر، إلا أنها فرضت عليها الإقامة الجبرية.
توفيت ماري، عام 1558، فتولت شقيقتها إليزابيث العرش، وكان أول قراراتها إصلاحات سياسية واسعة، وإعلان الحرية الدينية، فانتعش الاقتصاد، والحركة الثقافية، وازدهر المسرح، والفنون التشكيلية، والتأليف.
واجهت الملكة الجديدة أولى المشكلات في عام 1566 حين حاول البرلمان البريطاني أن يفرض عليها الزواج، لكنها تحدته، وأعلنت أنها متزوجة من بريطانيا، ولقبت حينها بالملكة العذراء، واعتمدت في كثير من الأمور على فريق من المستشارين الموثوق بهم بقيادة وليام سيسيل، بارون بورغلي الأول.
في عام 1570 أعلن البابا أن إليزابيث حاكمة غير شرعية، كما أحل رعاياها من الولاء لها، وجرت مؤامرات عدة هددت حياتها، لكنها أحبطتها، إذ كانت حذرة وعلى دراية بالشؤون الخارجية والمناورات التي تدور بين القوى الكبرى، مثل فرنسا وإسبانيا.
أثبتت إليزابيث أنها ملكة مُثابرة وذات شخصية قوية، وقد نجحت خلال فترة حكمها، التي استمرت 44 عاماً، أن تجلب الاستقرار إلى البلاد، وتساعد على تعزيز الشعور بالهوية الوطنية؛ لأنها عملت طوال الأربعة عقود على إبعاد البيت الملكي عن الصراعات والنزوات الشخصية، وجعلته مثالاً للوحدة البريطانية.
بيوت الحكم في الممالك هي صورة مُصغرة عن المجتمع، فإن حافظت على تماسكها تصبح السور الأول لحماية المملكة، والمحفز على استقرارها، أما حين تعمُّها الفوضى يبدأ الوهن يتسرَّب إلى الرعية؛ لأن الناس على دين ملوكهم، ومعها تضعف الدولة، وعندها على الاستقرار السلام، وتتحوَّل بيوتُ الحكم مَطْمَعاً للجميع.

You might also like