حَسَنُ الأخلاق والسمعة نُزوِّجه ابنتنا لكن لا نُسلِّمه إدارة دولة

0 587

أحمد الجارالله

للمرة الثالثة في أقل من عامين تخفض المؤسسات الدولية التصنيف الائتماني للكويت، وللمرة الثانية خلال عامين أيضاً ينكمش الاقتصاد المحلي بنسبة عالية، وصلت السنة الماضية إلى 9.9 في المئة، فيما لم تحرك الحكومة المعنية ساكناً لوقف هذا التدهور الاقتصادي الذي يؤثر على كل نواحي الحياة في البلاد، وكأن الذي يجري لا يعني الكويت، دولة وشعباً واقتصاداً.
عملية التصنيف الائتماني مسألة ترتبط بالمركز المالي للدولة، والاستثمارات، والقطاع الخاص، والقدرة الشرائية للعملة الوطنية، ولذلك فإن التحرك لمواجهة هذا الانحدار المستمر ضرورة ملحة، تتحمل مسؤوليتها السلطة التنفيذية التي لديها من الأدوات والصلاحيات الكثير لمعالجة الخلل، كما أن السلطة التشريعية معنية بهذا الأمر، غير أن الأخيرة لا تتحمل المسؤولية بالمستوى نفسه الذي تتحمله الحكومة، التي تتحجج بأعذار واهية، مثل عدم سماح مجلس الأمة لها باتخاذ إجراءات إصلاحية.
هذه الحكومة التي تتعلق بتلك الأعذار كيف استطاعت شل مجلس الأمة حين تكاثرت عليها الاستجوابات، وكيف أيضا مررت ما تريد من قوانين بلعبة مكشوفة، فيما هي تقف على التل تراقب الحريق عندما تجد أن الأمر لا يعنيها؟
أليس التصنيف الائتماني والسيادي للدولة من صلب صلاحياتها، واستمرار انخفاضه ألا يرتقي إلى مستوى الجريمة، التي لن يتحمل مسؤوليتها أحد غيرها، فيما الكويتيون لن يتذكروا ماذا قال النائب محمد مطير أو عبيد الوسمي أو غيرهما من النواب؟
نحن اليوم نواجه واحدة من أكثر المراحل سوءاً في إدارة البلاد الاقتصادية، لأن سمو رئيس مجلس الوزراء، النظيف الكف والثوب، والخلوق، ترك الخيط والمخيط للوزراء، الذين وقعوا في المحظور أكثر من مرة، وبعضهم أخذ الأمور بالشأن الشخصي، أكانت قرارات الحاكم العرفي الصحي الذي أدخلنا في متاهة التخبط، أو وزير التجارة الذي أزعجته افتتاحية فرفض الرد على الاتصالات كي يوضح الغموض في التصريحات المتضاربة التي يطلقها، فهل بهذه الطريقة يمكن معالجة أزمة كبرى كالتي نعيشها اليوم؟
أما وزير المالية المعني أكثر من غيره بالشأن المالي فقد خرج علينا قبل أيام بواحدة من أكثر الأحجيات غرابة بقوله:”إن المركز المالي لدولة الكویت قوي جداً لأنه مدعوم بالكامل من صندوق احتياطي الأجيال القادمة، رغم ذلك فإن الاقتصاد الكويتي بحاجة ماسة لعملية إصلاح مالي، لعلاج الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها”.
هنا نسأل معالي الوزير: من المسؤول عن مالية الدولة، أليست الحكومة مجتمعة، ومعاليك وزير مالية يعني المسؤول الأول عن وضع الخطط الإصلاحية، أم تنتظرون أن يهبط عليكم الإصلاح المالي من السماء؟
ونسأل أيضا: هل كان لانخفاض أسعار النفط تأثيره على الكويت فقط، أم على بقية دول “مجلس التعاون”، وهل جائحة”كورونا” ضربت الكويت وحدها، فلماذا استفادت الإمارات والسعودية وقطر وحتى البحرين الأقل ثروة من الكويت من الانخفاض بأسعار النفط، ومن تبعات “كورونا” السلبية على اقتصاداتها وعززت موقعها المالي السيادي، بل زادت ثروتها الوطنية؟
تستطيع الحكومة أن تعالج كل هذا الخلل، وتبدأ خطة إصلاح جذرية إذا أرادت ذلك عبر مراسيم الضرورة، أكان في قانون الدين العام أو إصلاح الخلل الاستثماري الذي جعل الكويت دولة طاردة، كما أنها قادرة على فرض كل هذا على مجلس الأمة، وإذا رفض تحله وتغلقه، ولا أحد سيأسف عليه والدستور يجيز ذلك، فالديمقراطية أساس الازدهار الاقتصادي إذا توفر لها الاستقرار السياسي، لكن المغامرات واللامبالاة، والاعتماد على السمعة الحسنة والأخلاق الرفيعة لسمو رئيس مجلس الوزراء لا تكفي لإدارة البلد، فَحَسنُ الأخلاق نزوجه ابنتنا لا نسلمه إدارة دولة.

You might also like