ذهنية ملك الغاب والثعلب في الحكم تقود بلاد الواق واق إلى الانهيار المحتم

0 332

أحمد الجارالله

يُحكى أن أسداً استمزج رأي ذئب وثعلب بتغيير مملكته إلى جمهورية وتوزيع المناصب الأولى فيها معهما، فسألهما: ماذا تقترحان في هذا الشأن؟
سارع الذئب قائلاً: رئاسة الجمهورية لمولانا ملك الغابة، ورئاسة الحكومة لي، ورئاسة البرلمان لهذا الثعلب.
فغضب الأسد وضربه ضربة قاتلة، ثم التفت إلى الثعلب وسأله: وأنت ماذا تقترح؟
أجاب مرتجفاً: الرئاسة لملك الغابة، ورئاسة البرلمان للشبل الكبير، أما رئاسة الحكومة فلشبلكم الصغير النبيل.
فقال الغضنفر: ونعم القسمة، لكن من أين أتيت بهذه الحكمة يا ماكر؟
أجاب الثعلب: “من الحوار الوطني الذي دار بينكم وبين ذلك الذئب المارق المتمرد، الذي طالته عدالتكم بعد ثبوت تورطه في الخيانة والإرهاب”.
هذه الحكاية نسخة طبق الأصل عما كان يحدث في ممالك الأندلس وبلاد الواق واق العربية التي كانت تقسم فيها السلطة وفقاً لما يراه الحاكم المطلق الصلاحيات الذي لا يعارضه أحد، لذا دالت تلك الممالك، رغم أنها مرت بمراحل كان يمكن أن تدوم فيها إلى الأبد لو أن إداراتها عملت وفقاً لما فعله حاجب الدولة المنصور محمد بن أبي عامر، هذا الشاب الذي وُلد عام 327 هجرياً، وورث فقه أبيه وسيرة أجداده، وغلبته رغبته في مُلك الأندلس، فارتحل إلى قرطبة، طلباً للعلم، وفي الوقت نفسه ساعياً إلى أن يكون الرجل الثاني في الدولة.
شخصيته الطموحة تلك، جلبت عليه سخرية رفاقه خلال رحلته إلى قرطبة حين أظهر تطلعه إلى حكم الأندلس وقيادة الجيش، وقال لهم إنه لم يأتِ لطلب العلم فقط، إنما ليصبح حاجباً (الرجل الثاني في الدولة)، وقال: “سأملك الأندلس وأقود العسكر”.
طلب ابن أبي عامر من زملائه حين سخروا منه أن يتمنّوا عليه، فطلب الأول ولاية قرطبة، والثاني توليته حِسبة السوق، والثالث قضاء ولاية كورة، أما الرابع فتطاول عليه بكلام بذيء، وحين أصبح الرجل الثاني في الدولة نفذ رغبات أصحابه الثلاثة، أما الرابع فقد غرمه مبلغاً كبيراً من المال.
ذكر ابن خلدون، في تاريخه، أن “محمد بن أبي عامر تولَّى الحُكم منذ سنة 976 حتى 1002 ميلادية، قضاها في جهاد دائم لا ينقطع، مع حسن إدارة وسياسة على المستوى الداخلي، حتى صارت الأندلس في عهده في ذروة مجدها”، فهذا الرجل لم يعمل كأنه امتلك الأرض ومن عليها، بل سعى إلى بناء دولة قوية استمرت بعده نحو أربعة قرون.
لا شك أن المحطات المضيئة في التاريخ العربي قليلة جداً، بينما عمَّه الظلام في أكثرها، لذلك يكاد يتشابه مصير غالبية دول اليوم مع الأمس من حيث عدم القدرة على التخلص من الـ”أنا” المطلقة التي تمنع رؤية أحوال الناس، واستدراك الخطأ في القرار قبل وقوع الكارثة، ولنا في هذا الشأن أمثلة عدة، منها العراق الذي يغرق منذ العام 1958 بالفشل وحمامات الدم بين الحين والآخر، وكذلك اليمن وليبيا، ولبنان حالياً أحدث الدول العربية الفاشلة الذي جعلته المحاصصة المذهبية مرتعاً للعصابات والمافيات، وشبه معزول، عربياً ودولياً.
لا شك أن غالبية الدول العربية تعيش وضعاً مزرياً على المستويات كافة، وذلك نتيجة طبيعية لزمن الرويبضة السائد في عموم الأمة، بعدما أُسند الأمر لغير أهله فجعلوا الدول في “حيص بيص” لأن الحاكم لا يحكم بما تشتهي الشعوب، بل يعمل بذهنية ملك الغاب وهو ما يؤدي إلى فشل إداري وإفقار متعمَّد، فيتسبب بغضب شعبي، وكل هذا ينتهي إلى حروب أهلية وزوال الدولة.

You might also like