سمو الأمير وسمو ولي العهد… ارميا عصاكما لعلَّها تخرج حَيَّة تسعى

0 515

أحمد الجارالله

سمو الأمير
سمو ولي العهد
سمو رئيس مجلس الوزراء
لا خير فينا إذا لم نتحدث إليكم بصراحة، فالدين النصيحة، والحرص على المصالح الوطنية مسؤولية كلِّ مواطن.
في الدستور والقوانين، والأعراف والتقاليد، الحكم مسؤول عن كل نواحي الحياة في البلاد، وبالتالي فإنَّ القول إن الوزراء يتحملون مسؤولية أفعالهم، هذا صحيح في جانب، لكن الأصل وفقاً للمادة 55 من الدستور هو أن “يتولى الأمير سلطاته بواسطة وزرائه”، بوصفه رئيس كل السلطات، ولا شكَّ أن أي وزير يبقى مسؤولاً أمام سمو رئيس الدولة، وكذلك الشعب عبر مجلس الأمة، الذي بحكم الدستور أيضاً: “السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة بناءً على الدستور”، أي أن السلطتين، التنفيذية والتشريعية، هما مسؤولية رئيس الدولة.
وفقاً لهذه القاعدة فإن خطأ أي وزير هو من مسؤولية الحاكم غير المباشرة، وأيضاً ذلك يمتدُّ إلى التشريع الذي يجب أن يقوم على قواعد صارمة، فالجميع يعلم أنَّ في فرنسا وبريطانيا وكثير من الديمقراطيات ثمَّة قوانين وُضعت منذ ستمئة أو 500 عام، قامت على مسؤولية الحاكم عن أعمال مساعديه، ولهذا خضعت مئات المرات للتعديل؛ كي تنسجم مع الواقع وتُحقق أقصى درجات العدالة، والشفافية، وتسدُّ الثغرات التي يُمكن أن ينفذ منها الفساد.
في الدين الحنيف، الأمانة مسؤولية كبيرة، ولقد ذكرها الله -عز وجلَّ- في كتابه العزيز، فقد قال: “إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا”، وأيضاً: “إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”.
ولأنَّ هذا الأمر عظيمٌ جداً، فقد جعله المقياس لنجاح الأمم، وهو واحدة من السِّمات التي تميَّز بها الأنبياء، إذ قال العزيز الحكيم، ضارباً مثلاً بموسى حين ورد ماء مدين، كيف كان أميناً على غنم مستأجره، والآية الكريمة الواردة على لسان ابنة الراعي بقولها له: “يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ”.
المؤسف أن المسؤولين خلال السنوات الماضية ضيَّعوا الأمانة حين أوكل الأمر إلى غير أهله، خصوصاً في الحكومة قبل الحالية التي أعطت “الخيط والمخيط” لمجلس الأمة، واستقالت من دورها التنفيذي، ما أوقع البلاد بأزمة كبرى، فلا تنمية، ولا تعليم أو صحة، أو اهتمام بالاقتصاد والبُنى التحتية، بل كل ما رأيناه هو نهبٌ مُمنهجٌ من المال العام، وتعيين مسؤولين ليسوا أهلاً للمنصب عَبْر الإنزال بـ”باراشوت” الواسطة على الدوائر والمؤسسات، وجعل الشهادات المُزوَّرة جواز مرور لنهب أكبر قدر ممكن من حقوق الناس.
لا أحد في الكويت استغرب ذلك؛ لأنه وفقاً لما تتكشف عنه الأحداث اليومية من تجارة الأصوات، وتورط نواب فيها، كان طبيعياً أن نصل إلى هذا المنحدر من التشريع القائم على الابتزاز، فماذا يرجو القائد والمسؤول، وحتى المواطن، من مُشرِّع يشتري ضمائر الناس بحفنةٍ من المال، ويُصبح تالياً وكيلاً عن الشعب؟!
سمو الأمير
سمو ولي العهد
سمو رئيس مجلس الوزراء
مما يُروى عن الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز أنه أراد تولية رجل أعجبته هيئته وصلاته، لكنه أراد أن يستوثق من أمانته، فأسرَّ الى أحد خاصته أن يختبره، وانفرد الوسيط بالرجل وقال له: “تعرف منزلتي عند أمير المؤمنين، فما تجعل لي إن ذكرتُكَ عنده؟”، أجاب: “سأعطيك عطائي لسنة إن ولّاني عمر”، فذهب الوسيط وأخبر عمر الذي قال: “غرّنا بهيئته ومظهره، لن نوليه”.
إن حرص عمر بن عبدالعزيز يأتي من خوفه من عظم الأمانة المُلقاة على عاتقه، سعياً إلى استقامة الدولة التي جعل منها في غضون أشهر من توليه الحكم تنعم بفائض من الأموال، وُزِّعت في الطرق الصحيحة على المواطنين.
اليوم تُعاني الكويت من عجز مالي كبير وتبديد لثروتها، وهو يؤثر على مختلف جوانب الحياة، بينما يصل الهدر سنوياً إلى المليارات، أكان في التوظيف العشوائي، أو الدعم الذي يذهب إلى جيوب الكبار، ولا يستفيد منه الصغار، ولا شكَّ أن هذا سيؤدي إلى نفاد احتياطي الأجيال في سنوات قليلة، وهو ما يعني أن يصبح المواطنون حينها عمالة مهاجرة في الدول الأخرى، إذا استمرَّت الحال على ما هي عليه.
سمو الأمير
سمو ولي العهد
سمو رئيس مجلس الوزراء
نحن مُقبلون بعد أيام قليلة على انتخابات نيابية، وأيضاً مجلس وزراء جديد على ضوء ما ستُفرزه صناديق الاقتراع، ولكي لا تعود السلطتان إلى الصراع العبثي، وحتى لا يستمرَّ هدر المال العام، فإنَّ الحاجة إلى اختيار وزراء أمناء هو أحد أركان الأمانة العظيمة المُلقاة على عاتقكم، ولأن الإجراءات التي اتخذت في الأشهر القليلة الماضية دلَّت على حزم وعزم، فإن ما يرجوه أبناء الكويت هو سلطة تنفيذية قادرة على إصلاح ما خرَّبه دهرٌ من العبث جرّاء عدم صون الأمانة، لذا فيا صاحب السمو الأمير، وسمو ولي العهد، ارميا عصاكما لعلَّها تخرج حَيّة تسعى تلتهم الفساد والفاسدين.

You might also like