قصص الفرار من الفقر والعنف مختصر مفيد

0 221

أحمد الدواس

أخبرني صديق مغربي قبل 30 عاماً، أن بعض الناس في المغرب يحاول عبور مضيق جبل طارق بحراً نحو إسبانيا، لكنهم لا يأخذون بالحسبان خطر الأمواج العالية المتدفقة من حوض البحر الأبيض المتوسط متجهة نحو المحيط الأطلسي، التي تشتد عند عبورها المضيق، فتقلب القارب وركابه، ويغرقون في أغلب الأحوال.
خلال السنوات الأخيرة اضطربت الأوضاع في بلدان غرب أفريقيا بفعل الفقر والعنف، أو الحروب الأهلية، ما دفع بكثير من الأفارقة الى الهجرة والرحيل شمالا، إما الى المغرب أو ليبيا للعبور منها الى إيطاليا، ففي المغرب يتجمعون في مخيمات سرية موقتة، وهنا يدفعون المال لعصابات التهريب أملا في نقلهم بحراً للساحل الإسباني أو الإيطالي، للبحث عن مصدر رزق لإعالة أسرهم الفقيرة، والبعض منهم يحلم بأن يكون لاعب كرة قدم في نادٍ أوروبي.
في الأحوال العادية يدفع المسافر نحو 25 يورو،أي تسعة دنانير كويتية، للعبور بالسفن مضيق طارق، لكن بالتهريب تبلغ ألفي يورو، أي نحو 740 دينارا كويتيا، جمعها هذا الأفريقي بشق الأنفس.
وتتكرر حوادث الزوارق المنقلبة بهم، ويموت الكثيرون في عرض البحر، بفعل الأمواج أو العواصف العاتية، من بينهم نساء وصغار سن لا يعرفون السباحة، وفي مياه باردة، ولم تأل ايطاليا واسبانيا جهداً في إنقاذ الكثير منهم، وتنتشل زوارق البحرية المغربية الغرقى، ومن تعتقله يودع السجن أو يرحل الى بلده.
من المعروف ان اسبانيا عندما طردت العرب من الأندلس طاردتهم ولحقت بهم الى الأراضي المغربية، واحتلت منطقتين فيها، هما سبتة ومليلة، فوضعت الأسلاك الشائكة بينها وبين المغرب، لذلك اذا دخل أحد المهاجرين المنطقتين فكأنما دخل الاتحاد الأوروبي.
ما زاد أوضاع غرب أفريقيا سوءاً، انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة بعد إطاحة النظام الليبي، حيث استولى طوارق ليبيا على ذخائر القذافي، وتوجهوا لـ”سرقة” شمال جمهورية مالي، فدمروا آثاراً إسلامية قديمة فيها، كما أحرقوا أو أتلفوا تراثاً إسلامياً جميلاً من الكتب العربية القديمة، من بينها كتب علمية تتحدث عن طريقة صنع الأدوية، ثم دخلت جماعات إسلامية أخرى جمهوريات بوركينا فاسو والنيجر وغينيا ونيجيريا، فارتكبت أعمالا إجرامية، كقتل السائحين الغربيين، واغتالت أيضا الداعية الكويتي الشيخ وليد العلي وزميله الشيخ فهد الحسيني، فأساءت للإسلام، وتدهور الوضع الأمني في غرب أفريقيا.
هنا خشيت بلدان أوروبا ان تتسرب إليها الجماعات الإسلامية المتطرفة الموجودة في ليبيا أو مالي مع اللاجئين الأفارقة، فطلبت ايطاليا من ليبيا التعاون معها لمنع دخول المهاجرين، وتهتم فرنسا كثيرا، بل وأميركا أيضا، بدول غرب أفريقيا وتدعم بلدانها عسكرياً ضد تلك الجماعات المتطرفة، خشية دخولها أوروبا.
استطاع بعض الأفارقة دخول أوروبا بالتهريب، وتزامن دخولهم مع نشوب الحرب الأهلية السورية، حيث غادر كثير من السوريين بلدهم باتجاه تركيا وأوروبا، واشترك معهم لاجئون من أفغانستان، لكن تنظيم “داعش” الإرهابي حرك عناصره المتطرفة في سنة 2016 فارتكبت تفجيرات قتلت بعض الأوروبيين في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، فتحركت بلدان البلقان، كهنغاريا ومقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا، ووضعت الأسلاك الشائكة على حدودها ومنعت تدفق اللاجئين، وظهر في فرنسا تيار يميني معاد للمهاجرين والإسلام، وفي النمسا فاز تيار يساري متعصب يتزعمه شاب هو سباستان كورز برئاسة الحكومة، ليترأس حكومة متعصبة، الى جانب حكومة هنغارية متعصبة برئاسة فكتور اوربان، وظهرت المشاعر المعادية للمهاجرين في طول القارة الأوروبية وعرضها.
دخول رعايا شرق أوروبا كان عبئاً ثقيلا على بريطانيا، إما عاثوا فيها، أو طغت اللغة البولندية على الانكليزية في منطقة ما، ثم جاء المهاجرون الأفارقة، ودخل بعضهم بريطانيا عبر حافلات تبريد اللحوم، وماتوا داخلها، فشعرت بريطانيا أنها تضررت، وكانت هذه الأمور من بين الأسباب التي جعلتها تفكر بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالفعل خرجت منه في نهاية عام 2020.

سفير كويتي سابق

You might also like