مخطوطة “نور”… إبداع في الألوان والزخارف سلسلة المصاحف المخطوطة

0 180

إعداد – أحمد القعب:

“يقول الله تعالى في كتابه الكريم “إِنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، فقد حفظ المولى القرآن الكريم في الصدور حتى بدأ جمعه في عهد الخليفة أبي بكر عن طريق النسخ من مخطوطات أغلبها من جلود الأغنام والغزال، ثم تبارى النساخ في نقل النصوص المقدسة على مدار عهود، وتسابق على نسخها الخطاطون، حتى امتلأت الدنيا بنسخ القرآن بأشكال وألوان وخطوط مختلفة، وظلت الاجيال تتناقلها الى ان وصلت الينا لتكون شاهدة على حفظ المولى للذكر الحكيم الى ان تقوم الساعة…وفي هذه الحلقات نستعرض بعض المخطوطات التى وصلتنا من عهود موغلة في القدم.”

“أتاح الوجود العثماني في كل من مصر والشام والعراق ثروة ضخمة من المخطوطات والوثائق التي توفرت في المكتبات الملحقة بالمساجد بهذه الأقطار، فتم نقل ما أمكن نقله منها الى اسطنبول، وحُفظت في عدد من المكتبات الخاصة الى ان تم حصرها وتصنيفها، كما تم نسخ الكثير منها وتداولها في دوائر عائلية وفئوية، ومن بين هذه المخطوطات مخطوطة مصحف “نور”، المتواجدة بالمكتبة السليمانية بإسطنبول تحت رقم “17”، ويعود تاريخ نسخها للقرن العاشر الهجري.
يبلغ عدد صفحات المخطوطة 350 صفحة، وأشار الناسخ الذي انتهى منها في 29 رجب سنة 991 هـ، لبعض أسماء السور القرآنية بما اشتهرت به، مثل سورة “محمد” فسماها “القتال”، وسورة “المطففين” فسماها “التطفيف”، وسورة “الزلزلة” فسماها “الزلزال”، وسورة “المسد” فسماها سورة “أبي لهب”، مستخدما خط النسخ في كتابة المخطوطة القرآنية بشكل واضح ومجود مع وجود بارز لعلامات الإعجام، النقط، وذكر واضح لوقوفات الإمام السجاوندي، بلون أحمر ضمن النص القرآني، كما رّقم المخطوطة بترقيم عشري تسهيلاً على القارئ.
تضم المخطوطة العديد من الزخارف الذهبية اللون والزرقاء والبنية والتي أبدع فيها ناسخها، محمود بن عبدالودود، لتكون جديرة بالتواجد ضمن مقتنيات السلطان العثماني مراد خان الثالث، إذ حرص على إبراز النص القرآني في قوالب زخرفية في كل الصفحات بأبعاد 19 سم طولاً و11.5 سم عرضًا للنص القرآني و37 سم طولا و23.5 عرضًا لكامل الصفحة، وضمت الصفحة الواحدة 12 سطرًا قرآنيًا، وضم القالب الزخرفي رسومًا نباتية ملونة وذهبية.
كما ظهر خط الثُلث بشكل واضح وبارز، عنوانا للسور القرآنية، بينما ضمت الزخارف السفلية عدد آيات السورة، في قالب طولي بألوان الأبيض، الأزرق، البني، الأحمر، والذهبي.
وأبرز الناسخ الهوامش الدالة على النص فظهر عدد الأجزاء، الأحزاب، العشور، الخموس، ومواطن السجدات، فضلا عن التشكيل بألوان مغايرة للنص القرآني، كما ميز الآيات بين بعضها البعض برسومات زخرفية دائرية بلون ذهبي بحواف منقّطة من ألوان الأزرق، الأحمر، والبني مع وجود خطوط وترية بالدائرة بشكل بديع يبرز مدى براعة الناسخ.
أحيطت المخطوطة بغلاف من الجلد المقوى حافظ على بقائها سليمة بعض الشيء، فلم يصبها الكثير من الاهتراء، و لم تتعرض للتمزق مثل الكثير من المخطوطات الأخرى، وذلك يعود الى اقتصار تناقلها بين افراد طبقة النخبة الحاكمة دون غيرها.
تأكد بالكشف على المخطوطة بالأشعة فوق البنفسجية استخدام أجود أنواع الحبر وأكثره ثباتا، ما يدل على وجود عناية تامة من الخدم السلطاني بالمخطوطة، وظهر ذلك أيضا في كم “التذهيب” في النسخة، ودرجة العناية والحرفية في عملية النسخ، كما ظهر الاتقان في أسلوب رسم الحروف بشكل بدا كما لو كان قد صُب أو نُسخ بتكنولوجيا عصرية حديثة بحيث يتشابه الحرف في أول المخطوطة بمثله في أي صفحة من الصفحات.

You might also like