من مقهى الفيشاوي ومقهى “جروبي” بالقاهرة (1من 3) وقفة

0 121

عبدالنبي الشعلة

في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي شهدت البحرين توسعًا ملحوظًا في عدد المقاهي، وإن وكان محدودًا جدًا ومحصورًا في مدينتي المنامة والمحرق؛ وازداد نتيجة لذلك عدد روادها.
كان من أبرز هذه المقاهي”قهوة معرفي” بالمنامة و”قهوة بو خلف” بالمحرق، وكان أهالي المحرق أكثر اقبالًا على ارتياد المقاهي، كما أن ارتياد المقاهي ظل مقتصرًا على عامة الناس بطيبتهم وعفويتهم وبساطتهم من مهنيين وحرفيين وبحارة ومزارعين وصيادين وبائعي معدات الصيد وما شابه، وعلى خلاف الكثير من الدول والمجتمعات فإن المقاهي في البحرين لم تستهوِ أو تستقطب النخبة من وجوه ورؤوس المجتمع بشكل لافت مثل المثقفين والأدباء والتجار والشيوخ، بل بالعكس فإن هذه الشرائح من المجتمع تجنبت ارتياد المقاهي ومجالسة روادها واعتبرتهم “ناس فاضين ما عندهم شغل” يقضون ويضيعون وقتهم في اللهو وشرب الشاي وتدخين “القدو” أي الأرجيلة ولعب “الدومنة” و”البتة” أي الكوتشينة، والاستماع للأغاني وخصوصًا بعد أن انتشرت أجهزة الراديو و”الغرامافون” في المقاهي، وقتها كان المجتمع عامة ينظر إلى ارتياد المقاهي على أنها ممارسة أو عادة غير حميدة لا تليق بوقار وهيبة ووجاهة ومكانة الصفوة، اللهم إلا فيما ندر، إلا أن هناك مقهى يقع في “سوق الطواويش” أو سوق تجار اللؤلؤ بالمنامة اسمه “قهوة أبو ناجي”، كان يتجمع فيه في بعض الأحيان عدد قليل من صغار الطواويش وتعقد فيه بعض الصفقات الصغيرة لبيع وشراء اللؤلؤ الطبيعي، ما عدا ذلك فإننا لم نرَ أو نسمع، على سبيل المثال، أن الشاعر عبدالرحمن المعاودة أو الشاعر إبراهيم العريض أو أيًّا من كبار التجار والوجهاء أو أفراد الأسرة الحاكمة أو من كبار المسؤولين كان يرتاد المقاهي إلا نادرًا؛ ولذلك لم يُنسب إلى مقاهي البحرين أي دور أو إسهام أو إفراز ثقافي أو فني أو سياسي أو اقتصادي يماثل ما كان يحصل في بعض الدول والمجتمعات؛ لقد راودتني هذه الأفكار وأنا جالس أشرب القهوة في مقهى أو “قهوة الفيشاوي” أثناء زيارتي الأخيرة للقاهرة قبل بضعة أيام.
مقهى الفيشاوي، الذي افتتح في العصر العثماني في العام 1797م، صار أحد أعرق الأماكن التراثية في مصر ويقع في زقاق ضيق بسوق خان الخليلي بحي الحسين في قلب القاهرة الفاطمية، وقد اكتسب هذا المقهى شهرته وبريقه بفضل الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، الذي جعل منه مكانه المفضل، حيث نسج فيه ثلاثيته الشهيرة “بين القصرين” و”قصر الشوق” و “السكرية” الحائزة على جائزة نوبل، وكان نجيب محفوظ يلتقي فيه أصدقاءه ومحبيه من الكتاب والفنانين وبسطاء الناس.
كما حصل هذا المقهى على شهرته من جلوس الشاعر الغنائي أحمد رامي الذي كتب أغاني مازلنا نتذوقها ونتغنى بها للراحلة أم كلثوم.
وللحديث بقية.

وزير العمل البحريني السابق

You might also like