نتعلم الكثير من الصين

0 168

د. لويس حبيقة

مع العيد المئة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، لا نبالغ اذا قلنا ان الصين هو الاقتصاد الأنجح في العالم، ربما تختلف الآراء حول الطرق والسياسات والخطاب الديموقراطي والحريات وغيرها، لكن الجميع يعترف للصين بالتفوق.
قال “هنري كيسينغر” في كتابه عن الصين إن مشكلتها هي أنها تقع بين قوتين كبيرتين أميركية وروسية، وبالتالي عليها مراقبتهما سوية وربما مواجهتهما، طبعا ليست روسيا اليوم قوية كما كان الاتحاد السوفياتي، لكنها تبقى قوة عسكرية استخباراتية ضخمة، هنالك فارق بين الطريقتين الأميركية والصينية في العمل على الأرض، فللصين دائما نظرة شاملة الى الأوضاع لأنها تدرك ارتباط الأمور بعضها ببعض، أما أميركا فتعالج عموما كل مشكلة على حدة أو كما يقول بعض السياسيين “على القطعة”.
أميركا تريد تصدير ثقافتها وقيمها، بينما الصين تكتفي بتقوية نفسها وتحصر نفوذها عمليا في آسيا، الصين القوية في آسيا هي أيضا قوية عالميا، والمنافسة مع روسيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها ليست سهلة ويجب التركيز عليها.
ترفض الصين أن تتشكل قوة كبرى على حدودها تهدد أمنها، وتفضل أن تكون دول الجوار مقسمة سياسيا لكن مستقلة، ولا تريدها تحت سيطرة بيغينغ المباشرة.
تكتفي الصين عموما بما لها وليست لها طموحات خارجية في الأرض، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاعتداء على أراضيها، ولا تعتقد الصين أن لها مصلحة في استيراد النظريات لأن الأفكار الجيدة تنبع منها، لذا لا ضرورة بل لا مصلحة للتعلم من الخارج. تعتقد الصين أن الآخرين سيأتون اليها للتعلم.
تاريخيا ونسبيا كانت الصين قوية جدا خلال 18 قرنا سابقا من بين الـ20، كان الناتج المحلي الاجمالي الصيني أكبر من ناتج أي مجتمع غربي. في سنة 1820، أنتجت نحو 30% من الناتج العالمي أي أكثر من الناتج الأوروبي والأميركي مجتمعين.
ازدهار التجارة الخارجية الصينية هو مؤشر بالنسبة للصينيين الى التفوق الاقتصادي. أزعج ذلك الرئيس السابق ترامب الذي اعتقد أن العدالة التجارية غائبة ولا بد من التصحيح عبر التعريفات الجمركية.
لكن الصين لم تتأثر سلبا بالتعريفات لتنوع صادراتها في السلع والجغرافيا، حاول ترامب أيضا التضييق على الصين في وسائل التواصل الاجتماعي لكنه لم ينجح لأن الأميركيين مدركون ومتعلقون بالانتاج الصيني الجيد الذي يبقي التضخم محدودا، كذلك اتهامات الرئيس الأميركي للصين بشأن “كورونا” وتصديرها لم تلق الصدى الداخلي المطلوب قبل الانتخابات.
أتى الرئيس بايدن لتصحيح العلاقة ضمن الخشية الأميركية الواضحة من القوة الصينية المتزايدة، هموم بايدن الخارجية ترتبط بروسيا والصين.
اختلاف المنهجية بين الجبارين يعود حتما الى اختلاف التاريخ كما الثقافة، اذا كانت أكثرية المواطنين تعرف مبادئ المنهجية الأميركية، فهي تجهل في الوقت نفسه الطريقة الصينية في العمل.
هنالك ضرورة للتعرف أكثر على الصين لأنها تلعب دورا عالميا كبيرا ومن المرجح أن يصبح أكبر مع الوقت مع تراجع الدورين الأميركي والروسي. قال “ماو” الزعيم الصيني التاريخي إن الصين والهند يمكنهما أن يكونا صديقين، لكن الواقع لا يشير الى ذلك وحصلت مؤخرا مواجهات عسكرية على الحدود، المصالح مختلفة وكذلك الثقافة والتاريخ والنظرة الى العلاقات الدولية أيضا متباينة.
التعاون الأميركي- الصيني مهم جدا للسلام العالمي والاستقرار الاجتماعي، هنالك مؤشرات كثيرة تؤكد وجود هذا التعاون في كل الأمور ربما باستثناء الاقتصاد والتجارة خصوصا.
ترتكز الصين على عقيدة “كونفوشيوس” الذي قال إن كل الأمبراطوريات بنيت بالقوة لكنها لا تدوم عبر القوة فقط، حتى ماو، بنى قيادته على العقيدتين الماركسية وكونفوشيوس، على عكس “ماكيافيللي” ركز كونفوشيوس عقيدته على التجانس الاجتماعي لتحقيق التقدم، أما ماكيافيلي، فاعتقد أن القوة هي الحل لفرض الاستقرار. حب التعلم هو الدافع الحقيقي للتقدم في مجتمع مبني على أفكار كونفوشيوس. الاقتصاد الصيني رأسمالي لكنه يرتكز على قوة القطاع العام عبر الخطط الخمسية وعلى القدرة على التصدير حيث تبلغ الصادرات 17% من الناتج، الخطة الخمسية المقبلة لفترة الفترة من 2020 وحتى 2025 ترتكز على تطوير الطاقة والاتصالات كما على الاستثمار في العلوم، وقد حققت الصين نموا كبيرا قويا ومتواصلا مرتكزة على استثمارات وسياسات دعم القطاع العام وهي من الدول القليلة التي حققت نموا ايجابيا في 2020 أي 2.3% مقارنة بنمو سلبي لكل من الولايات المتحدة “3.5%” والوحدة الأوروبية “6.6%” واليابان “4.8%”.
يرتكز الاقتصاد الصيني على سيطرة الدولة على الدورة الاقتصادية وقواعد الدين العام، على فعالية الادارة وحداثة النظام القانوني التجاري والقضائي كما على عدم فصل القطاعين العام والخاص. حقيقة، تنجح سياسات الرئيس “شي” في ابقاء الصين قوة عظمى رائدة.
من الدروس التي نتعلمها من الصين هو قدرتها على القبول بأجزاء الحلول، ليس لكل مشكلة حل ولا يحاول الصينيون الدخول في نزاعات حاسمة أي رابح كلي أو خاسر كلي. يؤمن الصينيون بأفكار “سان تسو” في كتابه “فن الحرب” حيث يقول أن الحروب تبنى على العاملين النفسي والسياسي وليس على العسكر والعنف.
يعتبر “سان تسو” انه انتصر في أي حرب عندما يتجنب المواجهة العسكرية أو تصبح غير ضرورية، يفوز بها عبر المراوغة أو الغش أو الاعلام أو التخويف والتهديد ولا ضرورة للعنف.
هذه أجدى وأقل تكلفة ولا ضحايا بشرية، للفوز هنالك ضرورة لاستراتيجية حقيقية ولفن المراوغة المبني على علم النفس والحكمة والذكاء، ومن الأفكار الصينية المهمة أن البحر يشكل فقط حدودا للأرض، فليس لهم أي مطامع داخله أو علاقة معه.
يعتقد الأميركيون أن الحروب تنتهي قبل أن تبدأ بفضل نفوذ القوة الذي يحقق الانتصار، أي عبر وهج الآلة العسكرية والأمنية التي تجعل الحروب غير ضرورية.
في المقابل، نجد من أهم الأهداف الصينية محاربة التلوث والقضاء عليه قبل سنة 2060 إذ تنتج الصين 27% من التلوث الفحمي العالمي مقارنة بـ 10% لأوروبا و8% للولايات المتحدة.
مجموع تلوث القوى الثلاث 45% من التلوث العالمي و60% من انتاج الكهرباء في الصين يأتي من الفحم ولا بد من تسريع التغيير نحو الطاقات النظيفة لتحقيق أهداف 2060.
لذا تحتاج الصين الى زيادة طاقاتها النووية أكثر والى زرع الأشجار وتطوير الغابات لامتصاص الفحم في الهواء. إن ما يجري من حرائق في غابات العالم مقلق جدا ويضر في اتجاهات عدة ولا بد من مقاومته دوليا، فبعد عودة الولايات المتحدة الى اتفاقيات المناخ مع الرئيس بايدن، تتوجه أعين العالم الى سياساته البيئية التي ربما تنقذ الجميع.

خبير اقتصادي لبناني

You might also like