نور الدين… سحق الصليبيين في حلب ودمشق واصل مسيرة والده عماد الدين زنكي

0 189

رايات وفتوحات

كتبت – نورا حافظ:

“رجـــــال صدقوا ما عاهــــدوا الله عليـــــه، رسموا بجهـــــادهم وصبرهم معالم الحضارة الإسلاميـــة، فتحــــوا البلدان، ونشـــــروا الإسلام، وأقاموا العمران، فسجَّـــــل التاريخ جهــــــادهم وكفاحهــم بحروف من ذهــــب، وأصبحوا قدوة ومثــــــلاً لكل من يأتي بعدهم.”

في الوقت الذي شُغل بعض الحكام المسلمين بالصراعات على الحكم واستسلم البعض لفكرة الوجود الصليبي، استطاع البيت الزنكي والذي كان يتولى حكم بعض إمارات الشام وينحدر من قبائل تركية أن يكون طليعة الجهاد ضد الصليبين.
فبعد أن وضع البطل “عماد الدين زنكي” خطة محكمة لتحرير “الرها” ونجح في ذلك، واصل الفتح حتى قُتل وتولى من بعده ابنه الشاب “نور الدين محمود” الذي لا يقل عنه فروسية وغيرة على دين الله، حتى أنه وصف بالتقوى والعدل والانتصاف للفقراء وتحمل الروايات قوله: “إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسما، والمسلمون محاصرون بالفرنج”.
اعتمدت خطة “نور الدين” في حرب الصليبين على محورين، الأول بناء نقاط حصينة تنطلق منها الجيوش، وثانيها توحيد الصف المسلم، وقد كان الأخير جهادا آخر مختلفا وشاقا يضاف إلى رصيد هذا البطل.
بدأ “نور الدين” جهاده ضد الصليبين بهجمات متفرقة على إمارتهم “إنطاكية”وفتح عدة قلاع، وعندما حاول “جوسلين الثاني” أمير “الرها” الصليبى الذي كان خارجها حين فتحها “عماد الدين زنكي” أن يستردها، فتصدى له “نور الدين محمود” وأذاقه هزيمة قاسية أمر من سابقتها.
لقد أوجع فقدان “الرها” الصليبيين وأقلقهم ذاك الصحو المسلم، فعقد ملوكهم مجلس حرب للتشاور فكانت الحملة الصليبية الثانية سنة 542هـ، فبعد مباركة البابا تجمع الجيش الفرنسي بقيادة ملك فرنسا “لويس السابع” وقوامه 70 ألفا وسار برا باتجاه القسطنطينية، والجيش الألماني بقيادة الإمبراطور “كونراد الثالث” بحرا وعبر البسفور، فوصلا بيت المقدس وكان هدفهما حصار دمشق فأسرع أميرها “معين الدين” يطلب مددا من الولاة المسلمين فنجدوه ومنهم “نور الدين محمود” الذي لم يكتف بالمدد، بل سارع يقود جيشه إلى دمشق، فكان لذلك أثرا عظيما، وعندما أصبح جيشا فرنسا وألمانيا على تخوم البساتين المحيطة بدمشق لإقامة معسكرات للجنود، شن والي دمشق هجوما مضادا عليهم وطاردهم واضطرهم إلى الفرار أمامه، فانهزموا شر هزيمة.
انتهز نور الدين تحول الموقف لصالح المسلمين، فنهض إلى حصن “العريمة” لانتزاعه من الصليبيين بمساعدة “معين الدين”، وعلى نهج “عماد الدين زنكى” في فتح “الرها” جعل “نور الدين” النقابين يفتحون ثغرات في جدار الحصن، فاستسلم الحصن وملكه المسلمون وغنموا منه الكثير من السلاح.
وبينما الأمر كذلك أغار “ريموند”- قائد صليبي- على حلب منتهزا فرصة خروج “نور الدين” بجيشه، لكنه ما ان فرغ من حصن “العريمة” حتى توجه إليه ولاقاه عند “يغزى” فى معركة شديدة الوطأة انتهت بانتصار جيش المسلمين وغنموا وأسروا إلا أن “ريموند” لم يستسلم وقابل “نور الدين” ثانية فى سهل بين إنب ومستنقع الغاب، استبسل فيها المسلمون وقُتل “ريموند” وهزم جيشه شر هزيمة.
فشلت حملة الصليبين بامتياز في استرداد “الرها” وعادت أدراجها إلى أوروبا وقد فقدت الكثير من المعنويات والرجال والسلاح وأرهقت ميزانيات شعوبها في إعدادها وتجهيزها إذ وقف لها “نور الدين محمود” ورجاله المخلصون وحالوا دون تحقيق أهدافها وأعادوها تجر أذيال الخيبة والفشل بعد أن فقدت كثيرا من رجالها وأسلحتها.
في المقابل ساهم ذلك في بعث روح الجهاد من جديد والأمل لدى المسلمين في استرداد أراضيهم، وأعطت لهم درسا عمليا في أن توحيد الصفوف هو طريق النجاة، وهو ما أدى بالفعل إلى توحيد جبهة حلب ودمشق التي استقبلت “نور الدين محمود” فضمها إلى ملكه عام569هـ، ومن بعدها ضم مصر فتكونت جبهة صلبة عليها رجال صناديد أمثال “صلاح الدين الأيوبي” و”أسد الدين شيركوه” لا هم لهم سوى الصد عن دين الله، وتحرير المقدسات، وارتفعت رايات الإسلام لتعلن مزيدا من النصر المبين.

You might also like