نَوِّعوا مصادر الدخل… كي لا يُصبح الكويتيون عمالة مهاجرة

0 183

كتب ـ أحمد الجارالله:
يا ولاة الأمر، نَوِّعوا مصادر الدخل؛ كي لا يُصبح الكويتيون عمالة مهاجرة، إذ لايزال هذا الأمر التحدي الكبير للدولة، فرغم مرور 60 عاماً على المؤسسات الدستورية الديمقراطية المعنية بتعزيز المبادرة الفردية، وفقاً للدستور، الذي حَتَّم إشراك القطاع الخاص في التنمية، ورغم المؤتمرات الكثيرة التي عقدت على مدار العقود الماضية، والقوانين المُقرة، التي رغم عدم كفايتها، لكنها تشكل أساساً يُمكن البناء عليه، إلا أنَّ كلَّ هذا لايزال في الحيز النظري، ولم يتحوَّل سلوكاً اقتصادياً.
مع كلِّ حكم وحاكم جديد، بل حكومة تسعى إلى نيل الثقة، يكون هذا الأمر المُهم عنواناً كبيراً، وشعاراته براقة، إلا أنه يضيع في الممارسات السياسية اليومية، وأقرب الأدلة على ذلك شعار “الكويت 2035” وتحوُّلها مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، الذي أصبح مثل “بيض الصعو” نسمع عنه ولا نرى أي خطوة في هذا المجال، بل على العكس يزداد انغلاق البلاد، ووضع العراقيل أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
والمستغرب أنَّ كلَّ الوزراء حين يلتقون القيادة السياسية لا يقولون ما لديهم في هذا الشأن، بل يطنبون في التطمين، وأن “الأمور جيدة” ويُبدِّدون المخاوف، لكن حين يخرج أحدُهم من منصبه يبدأ بالحديث عن المُعوِّقات والعراقيل، بمعنى أنهم يخفون الحقائق، وهذه من أفظع المُمارسات السياسية الممهدة لفشل أي دولة.
لنقولها صريحة: إذا لم تبدأ الكويت، وبعد سلسلة الأزمات التي مرَّت بها منذ الغزو إلى اليوم، والتذبذب المستمر في أسعار النفط، بوضع خطة واقعية وجريئة لتنويع مصادر الدخل، فستتحول بعد سنوات قليلة دولة مصدرة للعمالة، حين يبدأ الكويتيون السعي إلى العمل في دول العالم الأخرى؛ لأنها ستعاني من عجز مالي لا يُمكن السيطرة عليه، بل يجب أن تفوق المداخيل غير النفطية موازنة الدولة، من أجل زيادة عوامل الاستقرار المالي، على أن يتحول دخل النفط رديفاً، وليس أساساً كما هي الحال اليوم، إذ تصل نسبة الاعتماد عليه إلى 90 في المئة.
ليست الجباية والضرائب، على أهميتها وضرورتها، المصدر الوحيد لتنويع مصادر الدخل، بل لا بد من السعي إلى الخصخصة، وتفعيل الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، والسياحة الداخلية على غرار دول الخليج الأخرى، وتنشيط المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع قطاع النقل والصناعات التحويلية، لكن يبقى الأهم مخرجات التعليم، التي يجب أن تتواكب مع حاجة سوق العمل، إذ لا يُمكن الحديث عن الاستغناء عن الوافدين بينما ليس لدينا حرفيون مؤهلون.
أضف إلى ذلك أن لدينا تجربة مع صندوق الأجيال، الذي كان المنقذ خلال الغزو للإنفاق على الدولة والكويتيين المُنتشرين في العالم أو الصامدين في الداخل، لكن للأسف إن هذا الصندوق المُشرفة عليه هيئة الاستثمار، ليس لديه رؤية واضحة للمساعدة في تنويع مصادر الدخل، فيما يبدو أنه يتفرَّغ لرفع الدعاوى على وسائل الإعلام التي تضيء على أي ملاحظة أو تنتقد أي سلوك فيه، بينما كل صناديق العالم السيادية تضع سياسات جريئة، فالصندوق النرويجي بدأ بمئة مليون دولار وأصبح اليوم الأكبر عالمياً.
لا شكَّ أن كلَّ هذا بحاجة إلى سلسلة قوانين متطورة ورجال لديهم إرادة وعزيمة على التنفيذ، وشفافية، وهذه الإصلاحات لا بد أن تكون بمواكبة قادة البلاد، ومع الإجراءات الحازمة التي تتخذها القيادة السياسية، وبتوجيهات سمو ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد، ومتابعته، يمكن القول: إننا على وشك السير في طريق الألف ميل، فيما يبقى كل ذلك مرهوناً بالمسؤولين التنفيذيين الذين عليهم الإخلاص والشفافية والإدارة الجيدة البعيدة عن المُحاصصة والتنفيعات.
في هذا الشأن ليس عيباً الاستفادة من خبراء غير كويتيين، على غرار ما فعلته الصين حين استعانت بخبير بريطاني من أصول عراقية لوضع خطة تحولها إلى اقتصاد السوق، وساعدها على هذه النهضة الكبيرة، كذلك فعلت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية وقطر، التي استقدمت خبراء أجانب لوضع خطط تطورها وانتقالها إلى دول منافسة، وأقرب الأمثلة على ذلك مشروع “نيوم” العملاق، صحيح أن الفكرة سعودية، لكن المشرفين على التخطيط والتنفيذ خبراء أجانب، أما الاستمرار بالتفكير داخل الصندوق لن يؤدي إلا إلى رؤية قاتمة.

You might also like