واقعية الأسد وخطايا العرب في سورية

0 194

خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في جلسة القسم لولاية رئاسية رابعة كان واقعياً بمقاربته لوضع بلاده، إذ لم يلجأ إلى لغة الشعارات الحماسية كما هي عادة زعماء الجمهوريات الثورية، بل مد يد التعاون إلى كل العرب، رغم ما ارتكبوه من خطايا ضد سورية، نظاماً وشعباً، وهي الرسالة الواجب عربياً فهمها جيداً.
في هذا الشأن لا بد من تنحية خطاب الأحقاد الغرائزي في التعاطي مع سورية، فلا نتهم الرئيس المنتخب من شعبه، حتى لو بنسبة لا تتعدى 50 في المئة أنه مغتصب سلطة، لأن هذا القول مردود عليه بكثير من الواقعية، فغالبية الحكام العرب يعتبرون مغتصبي سلطة، فلا الأكثرية المذهبية أو الطائفية هي من تحدد شرعية الحاكم، لأن الانتخاب رغم علله هو نوع من ممارسة الديمقراطية.
عندما فاز دونالد ترامب على هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة لم يخرج أحد من الأميركيين ويقول إن الرجل اغتصب الحكم، حتى في إيران، التي كانت نسبة الاقتراع فيها نحو 43 في المئة، ورغم كل النقائص التي تعتري الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي، قبل الجميع بالنتيجة.
الحكم في أي بلد شأن داخلي، وليس لأحد من الخارج أن يحدد إذا كان الحاكم، الذي اختاره الشعب، شرعياً أو غير شرعي، وثمة عبرة في تاريخ بريطانيا حين غير الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر مذهب المملكة الديني من أجل قصة حب انتهت باتهام زوجته بالزنا فيما بعد، يومذاك قبل الشعب هذا التغيير من دون قمع، بينما المعارضة جاءت من الكرسي البابوي لأن الكنيسة كانت تسيطر على غالبية ثروة بريطانيا حينها، ولم تخرج تظاهرات تطالب بتنحي الملك لأنه غيَّر مذهب الدولة، ولا تجمع المرتزقة من مختلف دول العالم لقتله كما جرى في سورية التي كانت أبرز التهم الموجهة إلى الرئيس أنه ينتمي إلى الطائفة العلوية.
هذا التجييش المذهبي هو الذي أدى الى تخلف العالم العربي، فالاحتكام إلى إثارة الغرائز، منع تطور الدولة، بل أدى إلى تفككها، وأفسح في المجال لاحتلالها عبر ميليشيات وعصابات تابعة لقوى خارجية طائفية، كما هي حال نظام الملالي مع لبنان والعراق واليمن.
على العرب الاعتراف أنهم أخطأوا مع سورية، ونظامها، وسعوا إلى تخريبها، وأنفقوا عشرات المليارات في هذا الشأن، لكن الحصيلة كانت بقاء النظام، الذي وصفوه بكل المثالب، فيما كان جيشه يدافع عن نفسه وبلده، وهو حق مشروع.
سنوات الحرب العشر في سورية فرضت التدخل الإيراني والتركي والروسي، فيما كان على العرب، ولا يزال من واجبهم، العمل على مساعدة دمشق والوقوف إلى جانبها من أجل التخلص من هذه القوى الأجنبية، والإقلاع عن الخطاب المذهبي فالعالم اليوم تحكمه قوانين عصرية وليس الكيدية المذهبية التي تزدحم بها خطب المساجد والحسينيات التي أغرقت العالم العربي في بحور الدم، تماماً كما كانت أوروبا العصور الوسطى التي لم تخرج من نفق الظلام الدموي إلا بالدولة المدنية.

أحمد الجارالله

You might also like